في الموقف من إيران -الجزء الأول-
كيف نحدد الموقف من إيران في ظل تعقد واقعنا وواقع المنطقة والعالم برمته؟
ينقسم الموقف من إيران إما إلى موقف معاد بالمطلق لإيران، وإما متوافق معها بالمطلق، في حين ان الموقف من إيران يقتضي وعي الواقع المتناقض، ومن تم فهو موقف جدلي يقبل بالتناقض والتلاقي معها في الوقت نفسه.
في الجزء الأول من المقال نتحدث عن الأسباب الموجبة للتناقض مع النموذج الإيراني، على أن نخصص الجزء الثاني للحديث عن الأسباب الموجبة للتلاقي مع إيران.
إن التناقض مع إيران يقتضي الإعلان بوضوح رفض النموذج السياسي الذي يمثله النظام الإيراني، وذلك بحكم طبيعة ذلك النموذج القائم على نظام الولي الفقيه، المناقض لمشروع الدولة الوطنية الحديثة في الوطن العربي كما سيتضح مع النقاش.
لابد من التنبيه هنا ان نقاشنا ينصب بالأساس حول النموذج السياسي الإيراني ممثلا في نظرية الولي الفقيه، ولا يدخل في النقاش العقدي والكلامي والتاريخي حول الخلافات المذهبية والطائفية.
يشكل دعم إيران للتشيع في عديد من الدول، تحديا كبيرا لنموذج الدولة الوطنية، وهو أمر له نتائج وخيمة، لأنه “تشيع سياسي” مرتبط بنظام الولي الفقيه، كما سنرى. وهنا فالموقف الموضوعي يتطلب الوقوف على يمين الدولة المغربية في مواجهتها للتشيع خصوصا في أوساط الجالية المغربية، وفي بعض الدول الافريقية.
يمكن لمن يشكك في حقيقة التشيع ووجوده، العودة للمناظرة التاريخية بين الشيخ يوسف القرضاوي وأية الله رفسنجاني رحمهما الله على قناة الجزيرة سنة 2007، وذلك قبل “القطيعة التامة” بسبب أحداث الربيع العربي، بحيث هاجم القرضاوي إيران بشكل واضح وقوي بسبب سياسة التشيع، كما ان رفسنجاني لم يكن واضحا وحاسما في هذه المسألة.
وسنة 2007 ليست اعتباطا، فقد جاءت بعد سنة من حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل، وهي الحرب التي شهدت تعاطفا شعبيا كبيرا مع الحزب، وقد تم توظيف ذلك التعاطف لتعزيز التشيع في عديد من المناطق.
وعندما نتحدث عن الشيخ القرضاوي فلا يمكن المزايدة على مواقفه التاريخية الداعمة للتقارب مع الشيعة ودفاعه القوي عن إيران وحزب الله، فهو أكثر شخصية دافعت وأصّلت شرعيا للتقارب مع إيران، بل ويعتبر رمز التقارب الأول، وكان يحظى بمكانة معتبرة داخل الأوساط الشيعية بسبب مواقفه.
وليس المغرب المعني الوحيد بمسألة التشيع، فقد تسبب التشيع الذي تشرفه عليه السفارات الإيرانية في توتر العلاقات مع دول حليفة لإيران مثل السودان.
وهنا نشير إلى قضية مهمة، فالبعض خصوصا في الأوساط العلمانية في سياق دفاعه عن إيران يستغرب الغضب من التشيع، ويعتبر الأمر يدخل في إطار حرية الاعتقاد. يقع هؤلاء في خطأ فادح حين يقيسون واقع الدول العلمانية بواقع الدول الإسلامية التي تشكل فيها العقيدة جزءا رئيسا من طبيعة الدولة والنظام السياسي الحاكم فيها، فالتساهل مع حرية التشيع والدعوة اليه يعني اضعافا لأيديولوجية الدولة ومنح إيران موقع تأثير داخل تلك الدول.
فالخطورة هنا ليست في التشيع كحرية فردية، في إطار حرية المعتقد، لكن الخطورة هنا في “التشيع السياسي” المدعوم من طهران، فخطورته تتجلى في وجود سلطة فوق وطنية يدين ويرتبط بها ذلك الإنسان المتشيع، بحيث يصبح ولائه الأول للولي الفقيه في طهران وليس لوطنه، وهو ولاء عقدي يتحول لولاء سياسي بحكم مذهب الاعتقاد الشيعي وعلاقة المرجع بالمقلد، فالمقلد هنا مرتبط في اعتقاده وعباداته ومعاملاته بالمرجع -الولي الفقيه- في طهران.
نظام ولي الفقيه هو نظام “فوق بشري” لأنه يرتبط بعقيدة الشيعة -الإثنا عشرية- حول المهدي المنتظر، فالإمامة وفق هذا الاعتقاد واجب ديني، فهي من أركان الإسلام، وهي لا تتم إلا بوصية أو بنص لأحد أل البيت، وفق التسلسل المعروف لدى الشيعة الذين يربطون الإمامة بعلي ابن طالب وذريته من جهة الحسين رضي الله عنهم، كما أن الإمام وفق هذا الاعتقاد معصوم.
فنظرية ولي الفقيه وفق نموذج الخميني -ليس كل الإثنا عشرية مع النظرية- هي تجاوز تاريخي لأحد أعقد المسائل في تاريخ الشيعة، وهي مسألة “الانتظار” التي عطلت العقل الشيعي لقرون، فمادامت الإمامة مرتبطة بذرية الحسين بن علي، وما دام الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري “المهدي المنتظر” غائبا غيبته الكبرى، فكل السلطات القائمة هي سلطات غير شرعية، ولا يجوز للشيعة السعي لإقامة “الولاية العامة” -الدولة- في غياب الإمام المعصوم.
ولهذا بقي العقل الشيعي المتدين خارج دائرة الفعل السياسي، إلا مع تجربتين، هما تجربة الدولة الصفوية التي شكلت الإرهاصات الأولى لنظرية الولي الفقيه، وتجربة الخميني الذي شكلت التعبير النهائي للنظرية.
إن التحدي الذي تطرحه نظرية الولي الفقيه هو ربط شرعية الولي الفقيه بالشرعية الإلهية، واعتبار الولي الفقيه منصب من قبل الإمام المعصوم، وهذا ما ذهب إليه محمد تقي مصباح اليزدي أحد أهم المراجع الدينية في إيران، كما أن اية الله الخميني أكد بأن الناس مطالبون بطاعة الولي الفقيه لأنه يملك ما كان يملكه الرسول صلى الله عليه وسلم وعلي ابن ابي طالب رضي الله عنه من أمور الإدارة والرعاية والسياسة.
لم تعد ولاية الفقه مجرد نظرية وفقط، بل تحولت لمقتضى دستوري ملزم وحاكم للسياسة في إيران، بحيث نصت المادة الخامسة من دستور الثورة على انه “في زمن غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير”.
هنا يتم توظيف الآليات المرتبطة بالدولة الحديثة لخدمة هدف غيبي، بحيث يصبح هدف الدولة العمل على ظهور الإمام الغائب، والعكس صحيح، بحيث يتم توظيف الهدف الغيبي لخدمة مصالح الدولة، وهذا الأمر يجد تفسيره في نظرية الولي الفقيه و”تجربة الدولة” في إيران خصوصا منذ الثورة الدستورية لسنة 1906.
ومكمن الخطورة هنا لا يتعلق بموقف الشعب الإيراني من ولاية الفقيه، في إطار حقه السيادي في اختيار النظام السياسي الذي يريده، بل بعلاقة نظام الولي الفقيه بالخارج، بحيث ان الإلزام بضرورة طاعة الولي الفقيه لا يتعلق فقط بالداخل الإيراني، بل يتعداه لكل الدول.
فعندما سئل المرشد الإيراني علي خامنئي عن المسألة، أجاب بإنه ” يجب على كل المسلمين إطاعة الأوامر الولائية الشرعية الصادرة من ولي أمر المسلمين والتسليم لأمره ونهيه حتى على سائر الفقهاء العظام فكيف بمقلِّديهم! ولا نرى الالتزام بولاية الفقيه قابلا للفصل عن الالتزام بالإسلام وبولاية الأئمة المعصومين (علیهم السلام).”
وفقا للمرشد علي خامنئي فطاعة الولي الفقيه واجبة ليس فقط على شيعة إيران أو كل الإيرانيين، بل واجبة على كل المسلمين شيعتهم وغير شيعتهم.
هنا، لم يعد الولي الفقيه مجرد نظام “دستوري” متعلق بإيران كدولة، بل تحولت نظرية الفقيه لنظرية عالمية شمولية، تجعل الولي الفقيه في طهران مركز العالم.
وقد أكد أية الله محمد تقي مصباح اليزدي بان طاعة الولي الفقيه واجبة على كل المسلمين الذين يعيشون في البلدان غير الإسلامية.
وهنا تظهر مفارقة ومعضلة على وجهين، الأول، يتمثل في ان المسلمين في العالم مطالبون بطاعة الولي الفقيه في طهران بالرغم من عدم أحقيتهم في اختياره، فالحق في اختيار الولي الفقيه منوط فقط بالإيرانيين، فالعامل الحاسم هنا في الاختيار هو عامل مرتبط بالدولة الحديثة مجسدا في الجنسية وليس العقيدة، فالإيراني سواء كان شيعيا أو سنيا، مسلما أو غير مسلم، يملك “صوتا واحدا” في اختيار مجلس خبراء القيادة الذي تولى اختيار الولي الفقيه أو عزله؛ في حين لا يملك الإنسان الشيعي مثلا في العراق أو لبنان الذي يؤمن ويقلد الولي الفقيه أكثر من جزء من الإيرانيين الحق في اختيار مرجعه وإمامه !
أما الوجه الثاني، فيتمثل في حصر أعضاء مجلس خبراء القيادة في الفقهاء الشيعة الجعفريين، فإن كان لم يتم التنصيص صراحة على ذلك، إلا ان التنصيص على ضرورة ان يكون المرشح مجتهدا في مسائل الفقه، وأن يحظى بتزكية مجلس صيانة الدستور، بالإضافة إلى نص الدستور الذي يقر صراحة بالمذهب الجعفري الإثنا عشري باعتباره المذهب الرسمي للدولة، يجعل من المستحيل عمليا وجود فقيه غير شيعي ضمن المجلس، وهو ما تؤكده تجربة إيران منذ 1979.
فغير الشيعي في إيران ملزم بالطاعة مع حق التصويت فقط على أعضاء مجلس الخبراء، في حين أن الشيعي خارج إيران ملزم بالطاعة دون حتى حق التصويت!
إنها معضلة تجد أساسها في محاولة التوفيق الصعب بين نظام غيبي طوباوي وبين آليات من انتخابات ومؤسسات مستمدة من تجربة الدولة الحديثة في عالم قائم على تلك الدولة كأساس.
تبين التجربة خطر هذا النموذج السياسي على مشروع بناء الدولة الوطنية في المنطقة العربية، فولاء حزب الله اللبناني مثلا في المقام الأول هو لولي الفقيه، وهذا مقرر لديهم اعتقادا، كما أن الملايين من العراقيين ومنهم عدد كبير من السياسيين (منهم الكثير من اعضاء البرلمان والمسؤولين) يعتبرون ولي الفقيه في طهران هو المرجع وليس المراجع الدينية في العراق خصوصا المرجع علي السيستاني بموقفه النقدي من ولاية الفقيه، والأمر كذلك في العديد من الدول الإسلامية وحتى غير الإسلامية التي تتميز بوجود نسبة معينة من الشيعة.
قد يكون ولاء رئيس الحكومة العراقية وعدد من وزرائه في المقام الأول للولي الفقيه في طهران، وهو تحدي بالغ الخطورة، لأن الولاء هنا ولاء عقدي؛ وليس من قبيل الخضوع للضغوط الأجنبية ومتطلبات المصلحة الوطنية، ولهذا فقد أمست إيران لاعبا رئيسا في المشهد السياسي العراقي، بالرغم من وجود مراجع شيعية كبيرة وتاريخية في العراق، وعلى رأسها أية الله علي السيستاني.
إنه نموذج مناقض للنموذج الذي تسعى إليه مختلف التيارات الديمقراطية -العلمانية والمحافظة- في المنطقة العربية، فنظام الولي الفقيه هو ابن السياق الإيراني، ولم يكن من الممكن أن يظهر إلا في ذلك السياق لاعتبارات موضوعية وتاريخية مرتبطة بإيران وتركيبتها الدينية، وتجربة الدولة فيها، فهو جواب على “انتظارية غيبية” أطرت العقل الشيعي عبر قرون طويلة، وبالتالي فلا يمكن استنساخ ذلك المشروع في الدول العربية، لأنه يجعل من يؤمن بذلك المشروع عمليا تابعا لطهران، لأنها عاصمة الولي الفقيه.
لذلك فالدعوة إلى التساهل مع خطر “التشيع السياسي” تحت شعار حرية المعتقد هو تساهل غير موضوعي، ولا تعي حقيقة وجوهر نظرية الولي الفقيه وتطبيقها العملي منذ الثورة الإيرانية، الذي أوجد مواطنين في الدول العربية ولائهم لإيران وليس لدولهم، وهو ما يشكل تحديا كبير وتناقضا وعرقلة لبناء الدولة الوطنية الحديثة.
وهنا نشير لفرق جوهري بين بعض المشاريع “فوق-الدولة” التي تتبناها تيارات مختلفة وبين نظام الولي الفقيه، فتلك المشاريع (مثل الاتحادات الإقليمية أو الجهوية أو حتى طوبى الحكومة العالمية) تنطلق من أرضية الدولة الوطنية، ومن أرضية ديمقراطية قائمة على المساواة بين الأفراد، وليست قائمة على نظرية لاهوتية-غيبية تركز السلطة المطلقة في يد شخص واحد باعتباره نائبا عن الإمام المنتظر الغائب.
إن مشروع تصدير الثورة يجد أصله في صلب نظام الولي الفقيه، وهو مشروع تم إقراره دستوريا، فمن واجبات القوات المسلحة في إيران وفقا لديباجة الدستور ” الجهاد من أجل بسط حاكمية القانون الإلهي فـي العالم”، كما ان من أدوار الإمام الأساسية “استمرار الثورة التي أحدثها الإسلام” (المادة الثانية).
كما ان تدخل حزب الله اللبناني ومجموعة من الفصائل والميليشيات الشيعية من مختلف الدول الإسلامية في الحرب الأهلية السورية يجد أساسه كذلك في نظام الولي الفقيه، فهذا التدخل لم يكن ممكنا لولا قرار الولي الفقيه والارتباطات العقدية بين تلك الفصائل والولي الفقيه.
لم نتطرق بشكل كبير لمسألتي تصدير الثورة ومشاركة الفصائل والتنظيمات الشيعية في الحروب الداخلية التي شهدتها دول المنطقة خلال أحداث الربيع العربي، وهما من أبرز أسباب توتر علاقة إيران بدول المنطقة وشعوبها، بالإضافة لمسألة الموقف من الدعم الإيراني لغزو واحتلال العراق، لأن وعي جوهر وطبيعة نظرية الولي الفقيه وتجربتها العملية منذ 1979 سيسهم في فهم تلك المسائل.
*د. علي فاضلي/ باحث في الدراسات السياسية والدولية.