story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

مغربي على رأس ريال مدريد؟

ص ص

يعيش نادي ريال مدريد مرحلة مفصلية في تاريخه على مستوى الإنتقال إلى مرحلة جديدة تُطرح فيها أسئلة كبرى حول مستقبل أحد أكثر الأندية شهرة وتأثيرًا في العالم. فبعد أن قرر الرئيس فلورنتينو بيريز إحالة مسألة فتح النادي أمام مستثمرين من القطاع الخاص إلى استفتاء عام للمنخرطين في عام 2026، هدأت نسبيًا النقاشات الداخلية داخل أوساط النادي الرسمية، لكن التحركات لتشكيل التحالفات والولاءات الباحثة عن موطئ قدم في خريطة مستقبل الريال انتقلت إلى الكواليس وداخل صالونات العاصمة الإسبانية.

في قلب هذا التحركات يبرز اسم رجل الأعمال المغربي أنس لغراري، العضو في الجمعية العمومية للنادي والوجه الذي يعتبره الجميع العقل المالي المدبر لنادي ريال مدريد، والذي يخطط بيريز لوضعه كمدير تنفيذي للنادي في نسخته الإقتصادية والرياضية الحديثة. حيث تشير تقارير إسبانية إلى أن لغراري يلعب دورًا متزايدًا في صياغة الإستراتيجية الاقتصادية الجديدة للنادي، خصوصًا في ما يتعلق بمقارنة ريال مدريد بالشركات الرياضية والترفيهية العالمية بدل مقارنته بالأندية الأوروبية التقليدية.

أنس لغراري رجل الظل

يُعرف داخل نادي ريال مدريد أن الرئيس فلورنتينو بيريز يحيط نفسه بدائرة ضيقة من الثقة، ويتخذ القرارات الكبرى بنفسه، ولا يمنح كثيرًا من الوقت للاستماع إلى آراء متعددة. وداخل هذه الدائرة الصغيرة، إلى جانب خوسي آنخيل سانشيز ومانولو ريدوندو وجوني كالفات، يبرز اسم المغربي أنس لغراري كأحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في كواليس النادي، رغم ابتعاده عن الأضواء، وحوارات وسائل الإعلام.

لغراري يُعد العقل المالي لبيريز ورجل الظل في العديد من القرارات الاقتصادية والاستثمارية للنادي، كما يُنظر إليه بوصفه المهندس الحقيقي لمشروع الدوري الأوروبي الممتاز (السوبرليغ) عبر شركته A22، حيث صاغ الهيكل المالي والتجاري لمشروع يهدف إلى إعادة تشكيل اقتصاد كرة القدم الأوروبية.

ولد أنس لغراري عام 1984 في المغرب داخل أسرة ثرية، ودرس في الدار البيضاء قبل أن ينتقل إلى باريس لدراسة الرياضيات المالية. بدأت مسيرته المهنية في بنك “كاليون”، ثم في “سوسيتيه جنرال”، حيث انتقل لاحقًا إلى مدريد، في فترة كانت فيها مجموعة ACS التي يرأسها بيريز تواجه واحدة من أخطر أزماتها المالية بسبب محاولة الاستحواذ على إيبردرولا وأزمة العقار العالمية. لعب لغرايري دورًا مهمًا في إعادة هيكلة ديون الشركة، وهي تجربة عززت ثقة بيريز به وجعلته أكثر تشددًا في إدارة ديون ريال مدريد.

عام 2013، انتقل إلى شركة “كي كابيتال” التي أصبحت منصة استشارية رئيسية لصفقات بيريز الكبرى، من تمويل إعادة تصميم ملعب برنابيو إلى الشراكات مع Providence وSixth Street، كما شارك في عمليات استحواذ ضخمة لـACS، وقدم استشارات مالية حتى لنادي برشلونة.

لغراري يمثل نموذجًا جديدًا في كرة القدم: مصرفي يرى اللعبة كصناعة عالمية قابلة لإعادة الهيكلة وفق منطق السوق والاستثمار. بعيدًا عن النجومية الرياضية والإدارة التقليدية، يقف كأحد أبرز مهندسي التحول المالي في كرة القدم الحديثة.
 
خطة مالية للغراري

تنطلق هذه الرؤية من تغيير جذري في طريقة تسيير الأندية الرياضية. فبدل النظر إلى الأندية ككيانات رياضية تعتمد على نتائج المباريات وحقوق البث فقط، باتت الأسواق المالية خصوصًا في الولايات المتحدة تنظر إليها كـ«شركات ترفيه عالمية» ذات مصادر دخل متعددة تشمل العقارات، المحتوى الرقمي، الجذب الجماهيرية، والتوسع العالمي للعلامة التجارية.

وتقارن الصحافة الاقتصادية الإسبانية بين ريال مدريد والامتيازات الأمريكية الكبرى مثل فرق الـNBA والـNFL، حيث تُقدَّر الأندية بمضاعفات مالية أعلى بكثير من تلك المستخدمة في أوروبا. ففي تلك الأسواق، تصل التقديرات إلى أكثر من 10 مرات كضعف للمداخيل، أو عشرات أضعاف الأرباح التشغيلية، وهو ما يفسر وصول بعض الفرق الأمريكية إلى تقييمات تتجاوز 8 أو 9 مليارات دولار.

ويعتقد لغراري أن ريال مدريد يمتلك كل مقومات هذا النموذج: قاعدة جماهيرية عالمية، قدرة تجارية ضخمة، وأصول عقارية وإعلامية تتجاوز كرة القدم.
 
البرنابيو رمز التحول

يرى محللون اقتصاديون في مدريد أن ملعب سانتياغو برنابيو الجديد يمثل نقطة التحول الأساسية في استراتيجية النادي. فالملعب لم يعد مجرد منشأة رياضية، بل منصة أعمال متعددة الوظائف: حفلات موسيقية، فعاليات تجارية، مؤتمرات، مباريات رياضات أخرى، وتجارب VIP عالية القيمة.

وتشير تقارير إسبانية إلى أن بيريز يريد تحويل البرنابيو إلى «مركز ترفيه عالمي مفتوح 365 يومًا في السنة»، وهو نموذج قريب من الملاعب الأمريكية التي تشكل جزءًا من منظومة اقتصادية حضرية متكاملة. هذا التحول يضيف للنادي مصادر دخل مستقلة عن النشاط الرياضي، وهو عنصر أساسي في أي عملية تقييم سوقية مرتفعة.
 
أرقام مالية قياسية

تُظهر النتائج المالية الأخيرة للنادي صورة قوية تعزز هذه السردية. فقد تجاوزت أرباح ريال مدريد في الموسم الماضي 1.180 مليون يورو، مع مصادر أخرى مرتفعة وصافي دين محدود إذا ما استُثنيت ديون تجديد البرنابيو، التي تمتد آجال سدادها إلى عام 2053 بفوائد منخفضة نسبيًا.

كما يتوقع النادي مواصلة النمو في الموسم المقبل مع ميزانية قياسية جديدة، مدفوعة بزيادة الإيرادات التجارية والرقمية، وتوسع النشاط الدولي للنادي في أسواق آسيا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط.

وتشير الصحافة الاقتصادية الإسبانية إلى أن هذه الأرقام تجعل ريال مدريد أقرب إلى نموذج “الشركة متعددة الجنسيات” منه إلى نموذج النادي الرياضي التقليدي، وهو ما يستخدمه أنصار فتح رأس المال كحجة رئيسية أمام المنخرطين.
 
مشروع عقاري ذهبي

إلى جانب ملعب سانتياغو بيرنابيو، يبرز ملف “فالديبيباس” العقاري كأحد مفاتيح المستقبل الاستراتيجية للنادي. فريال مدريد يملك عشرات الهكتارات من الأراضي حول مدينته الرياضية، ويعمل على مشروع لتحويل المنطقة إلى قطب تكنولوجي وتجاري تحت اسم Madrid Innovation District.

ووفق تقارير صحفية إسبانية، يسعى النادي إلى إعادة تصنيف هذه الأراضي من استخدام رياضي إلى استخدام تجاري وسكني وخدماتي، ما قد يرفع قيمتها بشكل كبير ويضيف مئات الملايين إلى ميزانية النادي كأصول غير متداولة.

ويرى محللون أيضا أن هذا المشروع يشبه نموذج «The Star» الذي أنشأه فريق دالاس كاوبويز الأمريكي، حيث يتحول النادي إلى محور اقتصادي حضري وليس مجرد مؤسسة رياضية.
 
عوائق سياسية وقانونية

تخطيط فلورينتينو بيريز للدفع بالمغربي أنس لغراري لخلافته على رأس ريال مدريد، يواجه اعتراضات داخلية وخارجية. فبعض الأوساط المدريدية والإعلام الإسباني ترى أن تعيين شخصية أجنبية وغير منتمية تاريخيًا للنادي في منصب تنفيذي مركزي قد يثير حساسيات سياسية واجتماعية داخل قاعدة المنخرطين، كما قد يضعف نفوذ الإدارة التقليدية التي يقودها المدير العام التنفيذي الحالي خوسي أنخيل سانشيز. وتحدثت تقارير عن وجود أسماء إسبانية منافسة داخل دوائر القرار، ما يعكس صراعًا مبكرًا على النفوذ في مرحلة ما بعد بيريز.

أما على الصعيد القانوني، فخطة بيريز تواجهها عقبات مرتبطة بطبيعة ريال مدريد كـ”نادٍ مملوك للأعضاء وغير ربحي”، وهو نموذج يحد من إمكان تحويله إلى شركة تجارية أو استحداث هياكل إدارية على نمط الشركات المساهمة.

وتشير تقارير اقتصادية أيضا إلى أن خطة إنشاء بنية تجارية موازية تتطلب تعديلات قانونية وموافقات داخلية صارمة، وقد واجهت بالفعل تأخيرًا بسبب المعارضة الداخلية وتعقيدات قانون الضرائب والملكية.
 
مخاوف فقدان الهوية

في المقابل، لا يخلو هذا التوجه من تحفظات داخل القاعدة الجماهيرية للنادي. فبعض المنخرطين، خاصة من الجيل القديم، يرون أن فتح رأس المال، حتى جزئيًا، قد يكون بداية مسار نحو خوصصة تدريجية تهدد نموذج الملكية الجماعية الذي يميز ريال مدريد منذ أكثر من قرن.

وتشير تقارير صحفية إسبانية إلى وجود تيار داخلي يرى أن إدخال مستثمرين خارجيين قد يغيّر طبيعة صنع القرار داخل النادي، ويضعف دور المنخرطين في توجيه السياسة الرياضية والمؤسسية.

لهذا السبب، يتعامل فلورنتينو بيريز بحذر شديد مع الملف، ويؤكد في دوائر مغلقة أن أي خطوة ستُعرض على استفتاء عام للمنخرطين لضمان الشرعية القانونية والسياسية، ولتفادي أي طعون قضائية مستقبلية.
 
حل على الطريقة الألمانية

الحل الذي يجري تداوله داخل أروقة النادي يستلهم النموذج الألماني، كما هو الحال في بايرن ميونيخ، حيث يحتفظ النادي الأم بنسبة 51% من الملكية، بينما تُفتح نسبة تصل إلى 49% أمام مستثمرين استراتيجيين.

وترى الصحافة الاقتصادية الإسبانية أن هذا النموذج يمثل تسوية بين منطق السوق ومنطق الهوية، إذ يسمح بجذب رؤوس أموال ضخمة دون فقدان السيطرة الرمزية والمؤسسية للنادي.

غير أن تطبيق هذا النموذج في إسبانيا يتطلب تعديلات قانونية وتنظيمية معقدة، نظرًا لطبيعة ريال مدريد كجمعية غير ربحية، وهو ما يجعل استفتاء 2026 محطة قانونية وسياسية حاسمة.