الحجز على أموال قنصلية مغربية بإسبانيا لتسديد تعويضات تحرش جنسي
اتخذ القضاء الإسباني خطوة غير مسبوقة بحق القنصلية المغربية في مورسيا، بعد رفضها تنفيذ حكم قضائي نهائي يتعلق بقضية تحرش جنسي ومهني ونفسي. في إجراء وصفته الصحافة الإسبانية بـ”الاستثنائي”، كونه يستهدف الدولة المغربية نفسها من خلال الحجز على الحساب البنكي لقنصليتها بإسبانيا.
ويتمثل القرار في الحجز المصرفي على حساب القنصلية المغربية في مورسيا، لحماية حقوق موظفة سابقة فيها، بعد شهور من الامتناع المتكرر والمستمر عن تنفيذ حكم قضائي، لم يعد بالإمكان الطعن فيه، وذلك في ظل استراتيجية إجرائية وصفها دفاع الموظفة بأنها “مقاومة سافرة لسلطة المحاكم”.
وأمرت المحكمة الاجتماعية بالحجز على الحساب التشغيلي للقنصلية المغربية في مورسيا بمبلغ 57,413.33 يورو (حوالي 574,130 درهم) مع تكاليف وفوائد إضافية بلغت 7,330.70 يورو (حوالي 73,300 درهم). وقد تتجازز التكلفة الإجمالية المتوقعة 100,000 يورو (حوالي مليون درهم)، وفق تقديرات المصدر ذاته.
وأعلنت المحكمة الاجتماعية رقم 1 في مورسيا بطلان طرد “حسناء” (اسم مستعار)، التي كانت تعمل سكرتيرة لدى القنصل المغربي السابق في المنطقة سيدي محمد بيد الله. وقد وصفت حسناء ما عاشته بحسب الصحافة الإسبانية بالقول: “إنه مفترس. أهداني عقدًا وقال إنه سيكون مناسبًا على صدري”.
وقد أدان القضاء الإسباني القنصل السابق بشكل نهائي بتهمة التحرش الجنسي والمهني والمعنوي المتكرر ضد الموظفة، واعتبرت المحكمة أنه ثبت تعرض الموظفة لمسلسل مستمر من التحرش منذ شتنبر 2022، مما أثر بشكل خطير على صحتها.
وجاء في نص الحكم أن “الطرد الذي تعرضت له الموظفة هو ذروة عملية من التعامل غير اللائق والمهين، حيث وُضعت الموظفة في ظروف عمل متدنية لأكثر من عامين، معزولة وبدون وصول إلى الإنترنت أو التطبيقات الضرورية لعملها، وذلك كعقوبة لرفضها تلميحات وسلوكيات اعتبرتها مخزية”.
وأكد الحكم أن فصل الموظفة كان نتيجة حملة ضغط ممنهجة تهدف إلى إحباطها وتقويض معنوياتها، بعد رفضها الانصياع لمطالب وسلوكيات وصفها الحكم بـ”المخزية والمسيئة”، وأن صحتها تأثرت بشكل كبير نتيجة الممارسات المهينة والمتواصلة.
وأصدرت المحكمة في 2024 حكمًا بإعادة الموظفة إلى عملها، وفرضت تعويضًا ماليًا يفوق 50,000 يورو (حوالي 500 ألف درهم)، إضافة إلى دفع الرواتب المتأخرة.
ومع أن الحكم كان نهائيًا واستُنفدت جميع سبل الطعن، لم تُنفذ القنصلية الحكم طواعية، مما اضطر القضاء الإسباني إلى الانتقال إلى مرحلة الحجز. فأمرت المحكمة في أكتوبر الماضي بـ”الحجز الإلكتروني” على حساب القنصلية في بنك “سانتاندر”.
وبلغت القيمة المحجوزة 57,413.33 يورو (حوالي 574,130 درهم)، بالإضافة إلى 7,330.70 يورو (حوالي 73,300 درهم) لتغطية الفوائد والتكاليف القضائية، ويتعلق الأمر بالحساب التشغيلي للقنصلية، الذي تُصرف منه الرواتب والمصاريف التشغيلية اليومية.
وأوضح المحامي خوكين دوليرا أن “القنصلية استنفدت كافة طرق الطعن دون إيداع المبالغ المطلوبة قانونًا، مما دفع القاضي للدخول في مرحلة التنفيذ الجبري”. وأضاف أن الحساب المحجوز ليس هامشيًا، بل الحساب العملياتي الذي تُدفع منه الرواتب والمصاريف الجارية، وقد تتجاوز التكلفة الإجمالية 100,000 يورو (مليون درهم) مع استمرار تراكم الرواتب والفوائد بسبب عدم إعادة الموظفة حتى الآن.
وحاولت القنصلية الاعتماد على الحصانة الدبلوماسية، لكن المحكمة رفضت هذا الدفع بشكل قاطع، موضحة أنه في العلاقات العمالية مع الموظفين المحليين، لا توجد حصانة سيادية، حيث تعمل القنصلية كـ”صاحب عمل” وليس كجهاز سيادي للدولة.
وتؤكد القرارات القضائية أن التشريع الإسباني والمبادئ القانونية المستقرة تستبعد الحصانة في النزاعات العمالية، خاصة عندما يتعلق الأمر بانتهاك الحقوق الأساسية مثل التحرش الجنسي.
وعلى الرغم من تحويل الأموال المحجوزة، لم تنتهِ إجراءات التنفيذ بعد، إذ تستمر الإجراءات حتى دفع كامل التعويضات وإعادة الموظفة إلى عملها، مع تراكم مبالغ إضافية بسبب الرواتب المتأخرة والاشتراكات الاجتماعية.
ويُعد حجز حساب قنصلي إجراءً نادرًا وغير معتاد في العلاقات الدبلوماسية، إلا أن القضاء الإسباني أكّد أن القضية ليست صراعًا دبلوماسيًا، بل تنفيذًا لحق قضائي لموظفة فازت بحقها في قضية تحرش جنسي ومهني.
القصة من البداية
بدأت القصة عندما باشرت حسناء (اسم مستعار) العمل في القنصلية المغربية في مورسيا منذ افتتاحها عام 2019 كموظفة محلية. في تلك الفترة، عملت بجد وبدون مشاكل تحت إدارة القنصل السابق، وكانت علاقاتها مع الإدارة سلسة ومهنية، بحسب ما نقلته عنها صحيفة “الإندبندتي”، لتبدأ المعاناة الفعلية للموظفة مع وصول القنصل الجديد 15 شتنبر 2020، إذ تغير المناخ داخل القنصلية بسرعة، وبدأت سلسلة من المضايقات المهنية والشخصية التي تصاعدت مع مرور الوقت.
وبدأت المضايقات في أواخر 2020، مع نقل مستمر لحسناء من مكاتبها ووظائفها المعتادة، وسحب صلاحياتها الرسمية، وحرمانها من الوسائل الضرورية للعمل، مثل الإنترنت والتطبيقات الأساسية، مما جعل أداء مهامها شبه مستحيل. كما تعرضت لمضايقات لفظية وجسدية أولية، حيث بدأ القنصل بملاحظات على مظهرها وملابسها، وأحيانًا لمس كتفها أو يدها بشكل غير مرغوب.
بلغت الحوادث ذروتها في 28 ماي 2021، حين أهدى القنصل لحسناء قلادة وأقراط رفضتها، وسألها عن سبب عدم ارتدائها لها مضيفًا: “سوف تناسب صدرك بشكل جميل”. وفي نفس اليوم حاول تقبيلها واحتضانها، وهو ما رفضته الموظفة، بحسب الحكم القضائي.
الرفض المستمر لهذه التحرشات أدى إلى تفاقم المضايقات المهنية، فبدأت القنصلية في تهميشها وإسناد مهام لا تتوافق مع وظيفتها، وإخضاعها لمراقبة صارمة. وبعد أشهر من رفضها الانصياع لتحرش القنصل، حاولت القنصلية فصلها بذريعة أسباب موضوعية في نهاية 2022.
ونتيجة لهذا الضغط المستمر، تعرضت حسناء لأزمة صحية في يناير 2022، إذ شخص الأطباء إصابتها بـ اضطراب قلق تفاعلي مرتبط مباشرة بالتحرش والضغط النفسي في العمل، وفق ما جاء في الحكم.
واعتبر الحكم القضائي الإسباني أن تصرفات القنصل تشكل تحرشًا جنسيًا مستمرًا واستغلالًا للسلطة، وأدان القنصلية بإعادة حسناء فورًا إلى عملها، ودفع الرواتب المتأخرة، بالإضافة إلى تعويض 25,000 يورو (250 ألف درهم) عن انتهاك الحقوق الأساسية و26,086.76 (أكثر من 260 ألف درهم) يورو عن الأضرار النفسية.
كما شدد الحكم على أن الطرد الذي تعرضت له “كان باطلًا ومترتبًا مباشرة على رفضها التحرش”، وهو ما يمثل انتهاكًا لحقوقها الأساسية مثل الكرامة والسلامة المعنوية.
قضية مشابهة
وفي سياق متصل، كانت محكمة إسبانية في لاس بالماس قد قضت بإلزام القنصلية المغربية هناك بدفع 20 ألف يورو (حوالي 200 ألف درهم) لموظف إداري “تعرّض للتحرش المعنوي”، وذلك بعد اتهامه لها بممارسة معاملة مهينة وضغط نفسي متواصل من السيدة القنصل، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسبانية.
وأصدرت المحكمة الاجتماعية رقم 9 في لاس بالماس بجزر الكناري حكماً يأمر القنصلية المغربية بـ“وقف التحرش المهني” ضد الموظف، ودفع تعويض قدره 20 ألف يورو، معتبرة أنه ثبت تعرّضه لـ“معاملة مهينة” من طرف المسؤولة الدبلوماسية، تمثّلت في “صراخ مستمر”، و“تهديدات بالفصل” عند كل شكوى، ضمن مناخ يسوده “الاستهداف والخوف والقلق”، وبـ“نية واضحة لا لبس فيها لترهيبه”، تقول ذات المصادر.
وكان الموظف قد رفض في أبريل من العام الماضي مبلغ 55 ألف يورو، عرضته عليه القنصلية المغربية في جزر الكناري كتعويض مقابل إنهاء عقده، وتفادي الجلسة القضائية المتعلقة بالدعوى التي رفعها بسبب التحرش المهني.
وذكرت المصادر ذاتها أن “المال لم يكن هدفه الأساسي”، بل إثبات الضرر المعنوي الذي “تسببت فيه القنصل الحالية فتيحة الكموري”، التي تشغل منصبها منذ شتنبر 2022. وبعد عام ونصف على رفض العرض، تمكن الموظف من حسم القضية لصالحه.