story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

الكرة قناع المصالح

ص ص

من أراد أن يفهم أسباب وخلفية الحرب الإعلامية التي تعرّض لها المغرب على هامش نهائي كأس إفريقيا الذي جمع منتخبه بمنتخب السينغال، فإن عليه أن يترك ما يجري في كواليس الاتحادين الإفريقي والدولي لكرة القدم جانبا، ويتأمل تفاصيل ما أسفرت عنه أشغال اللجنة العليا المشتركة بين حكومتي البلدين يوم أمس الإثنين 26 يناير 2026.

لقد انتهى اللقاء بتثبيت رهان الربط الأطلسي-الساحلي عبر اتفاق تعاون عملياتي بين الموانئ، لربط بين ميناء طنجة المتوسط وميناء دكار من جهة، ثم بين ميناء الداخلة الأطلسي وميناء نداين/بارغني من جهة أخرى.

وفي الطاقة، أقرّ الطرفان بتقدم مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي واعتبرا السنغال فاعلا محوريا في مرحلته الأولى، مع توسيع الشراكة في الطاقات المتجددة والولوج إلى الكهرباء وتثمين الموارد المعدنية محليا.

كما جرى تحيين التنسيق حول فضاء الدول الإفريقية الأطلسية ومبادرة ولوج دول الساحل إلى الأطلسي، مع التزام بدعم الترشيحات المتبادلة في الهيئات القارية والدولية…

كل هذا يعني أن تلك الليلة الرياضية، لم تكن مجرد مباراة انتهت بصافرة الحكم. وأن المعركة لم تكن على كأس فقط، بل على ممرات وموانئ وغاز وتموقع إقليمي… وعلى قدرة المغرب أن يواصل البناء.

ما رأيناه، بالملموس، بالنظر إلى مخرجات الاجتماع، أن هناك أجندة دبلوماسية واقتصادية وأمنية كانت تُبنى بهدوء منذ شهور، وأن حساسيتها كانت أكبر من أن تُترك تحت رحمة الضجيج. وأن صانع القرار المغربي كان مطالبا بإتقان اللعب خارج الملعب.

مأدبة الغداء الملكية التي أقيمت على شرف الوزير الأول السنغالي والوفد المرافق، ولقاؤه برئيس مجلس النواب، وجلسة عمله مع مسؤولي المكتب الشريف للفوسفاط، وترؤس منتدى اقتصادي مغربي–سنغالي على الهامش… هذه ليست تفاصيل بروتوكولية، بل هي إعلان عملي أن العلاقة بين الرباط ودكار كانت عشية كأس إفريقيا على موعد مع طفرة جديدة.

وهنا ينبغي أن نفهم ما وقع بطريقة مختلفة: لقد واجهنا حالة غير مسبوقة من الحرب الإعلامية الخبيثة. حرب لا تُطلق النار على الجبهة مباشرة، بل تستهدفها عبر جمهورها، وتُخاطب المشاعر بدل الوقائع، وتستثمر الرموز بدل الملفات، وتدفع المجتمع إلى ردّ فعل سريع، كي يبدو وكأنه هو الذي قرّر التصعيد.

بهذا المعنى، تصبح المباراة مجرّد قناع لمصالح كبيرة ومتشعبة، ويصبح الهدف الحقيقي هو تخريب المناخ الذي تحتاجه أجندة دبلوماسية دقيقة، أي أن تُبنى الثقة، وتُحمى البراغماتية الجديدة في دكار من ضغط الشارع، وأن يمرّ التعاون إلى طور أعلى دون أن يُسقطه الضجيج في حفرة الشكوك.

من هنا نفهم قيمة الكلمات التي قالها مفتّش الضرائب السابق، رئيس الحكومة السينغالية عثمان سونكو في الرباط، حين شدد على أن العلاقات تتجاوز الانزلاقات الرياضية، وأن ما حدث نابع من الشغف لا من خلاف سياسي.

ونفهم أيضا حرص أخنوش على إعادة العلاقة إلى تاريخها الطويل، عندما تحدث عن الطرق التجارية التاريخية، والروابط الروحية، واتفاقيات بالعشرات، وجاليات تُوصف بصمام الأمان… وهو ما يعتبر محاولة واعية لقطع الطريق على تحويل نهائي كروي إلى خصومة بين شعبين، وأن تُختصر علاقة ممتدة في 90 دقيقة، وأن تُسحب ملفات كبرى، من الموانئ إلى الغاز إلى الساحل والأطلسي، إلى مزاج عابر يشتعل بسهولة ويُطفأ بصعوبة.

هذا كلّه جيّد وضروري، لكن، لا يكفي أن تكون الدولة واعية بالرهانات كي تربح المعركة. لأن الحرب الإعلامية لا تُواجه فقط بالتحصين الدبلوماسي، بل أيضا بالتواصل مع المواطنين.

نحن لا نطلب من الدولة أن تساير “الاستدراج” وتنساق للاستفزاز، بل أن تمنع الاستدراج من الأصل، بأن تشرح مبكرا، وتُحضّر الشارع قبل أن يسخن، وتُعطي الناس مفاتيح الفهم بدل أن تتركهم في فراغ يُملأ بالشائعات.

كما أن حصر قائمة الأطراف المعادية المحتملة في خصم واحد بعينه يريحنا نفسيا لكنه يضللنا استراتيجيا. المصالح لا جنسية ولا حدود جغرافية ثابتة لها. كثيرون سيربحون من يربح من تعكير الأجواء بين الرباط ودكار، من بينهم المنافسون في الأسواق، واللوبيات في الممرات البحرية، والمنزعجون من إعادة ترتيب النفوذ في الساحل والفضاء الأطلسي، والمتضررون من أنبوب الغاز الأطلسي ورمزيته، ومن لا يريدون لميناء الداخلة الجديد أن يدخل لعبة التكامل الإقليمي، ومن يضيقون بأي محور يوسّع هامش الحركة المغربية في غرب إفريقيا…

منطق المصالح لا يحتاج راية كي يتحرك، ولا يحتاج تصريحا كي يتسلل؛ يكفيه أن يلتقط لحظة انفعال جماعي، ثم يعيد توجيهها إلى حيث يريد.

ما ينبغي أن نتعلمه هو أن خصومنا الحقيقيين لا ينتظروننا فقط في لحظة التحكيم أو في كواليس الاتحادات الرياضية، بل ينتظروننا في هشاشتنا الداخلية، وفي ضعف التواصل، وفي قابلية جزء من الرأي العام للاستثارة السريعة، وفي إعلام يلهث وراء الإثارة أكثر مما يصنع الفهم، وفي مؤسسات تُترك أحيانا بلا خطاب واضح في اللحظات الحساسة.

لهذا، لا يجوز أن نختزل ما جرى في صراع رياضي، ولا أن نبرئ أنفسنا من واجب البناء. المطلوب أن نستعيد الجدية المفقودة، عبر مؤسسات تتواصل بذكاء، وإعلام مستقل يشرح ولا يحرّض، ومواطن يشعر أنه داخل المعادلة لا خارجها.

نعم، كرة القدم قوة ناعمة، هذا صحيح. بل إنها اليوم من أقوى أدوات التأثير الرمزي وصناعة الصورة والشرعية النفسية داخل القارة وخارجها. لكنها، وحدها، لا تبني سيادة، ولا تحمي من الاستهداف، ولا تُغني عن “قوة صلبة” تُمسك بالاقتصاد واللوجستيك والطاقة والأمن والمعرفة.

القوة الناعمة أداة للمرافقة والتثبيت والشرح والتسويق… وليست بديلا عن سياسات تُصمَّم بعقل الدولة وتُدار بمنطق المصالح. والدليل دول راهنت على القوة الناعمة وحدها، وبنت لها حضورا عالميا لامعا، ثم اكتشفت أنها تبقى مكشوفة أمام صواريخ القريب والبعيد حين يغيب عمق الردع والاقتصاد والصلابة؛ بينما دول نافذة وكبرى لا تمنح الكرة أكثر من مساحة ترفيه، لأنها تعرف أن الهيبة تُنتجها موازين أخرى.