الجغرافيا صانعة التاريخ
صرَّح عبد الله العروي في حوار تلفزي، ذات سياق معين، بأن “المغرب جزيرة(…) ويجب أن نستخرج من ذلك كل النتائج، قدرنا هو أننا جزيرة ويجب أن نتصرف كسكان جزيرة”، فتحولت مقولة “المغرب جزيرة” إلى ما يُشبه النموذج التفسيري للعزلة والتطويق والحصار، بل والنقمة الجغرافية، وجرى تحميلها أكثر مما تتحمل، ونزعها من السياق الذي قيلت فيه، المُفسر لاستحضارها كفكرة ضمن تحليل عام مرتبط بتحولات كبرى كانت تعرفها المنطقة يومئذ.
للتفاعل مع هذا الموضوع لا بأس من طرح أسئلة مفتاحية: هل الفكرة في حد ذاتها جديدة؟ أم يجري استحضارها بدورها في سياقات تاريخية معينة؟ وكيف يمكن قراءتها في مرآة “تبيئة” المفاهيم الشارحة للجغرافيا باعتبارها صانعة للتاريخ؟
عندما نقرأ كتاب شارل أندري جوليان، الصادر قبل زهاء قرن من الزمن حول تاريخ شمال إفريقيا، المخصص لكل من تونس والجزائر والمغرب، نكتشف أنه يستحضر هذه المقولة ليس من باب الابتكار بل من باب التكرار لما تداوله العرب قبله، “والعبارة العربية» جزيرة المغرب «ليست من قبيل الاستعارة فحسب، بل هي تمثل هذا الميل إلى الدوام الذي تختص به الجزر. فالمدنيات المتتابعة التي طرأت من الخارج لم تكن بالنسبة إلى البربري إلا ثيابا متنوعة تستر جسدا وروحا لا يتغيران”. فهل وجود هذه “الجزيرة” في طرف قصي من هذا الإقليم الذي تنتمي إليه سواء من جهة الشرق أو من جهة الجنوب، يَحُدُّها بحران من جهة الشمال والغرب، يعتبر من ناحية البناء الحضاري للشخصية نعمة أم نقمة؟
من جول ميشليه إلى لوسيان فيفر مرورا بفريديريك جاكسون تورنير اتخذ المؤرخ المحترف من المجال والموقع الجغرافي بوابته الرئيسية لدراسة الإنسان في الزمن، وفهم تطوره وتشكل هُويته عبر العصور، بعيدا عن خُرافة العِرق، وبُؤس الانتقائية في التعاطي مع تراكمات الماضي.
لنتأمل، في شأن الموقع ومقولة “الجزيرة”، التي يجري تأويلها على مقاس الانفعالات الظرفية المتعاقبة، ما كتبه إبراهيم بوطالب:”وأرض المغرب باختصار ممتدة الأرجاء، لكنها واقعة بين الصحراء والبحار، فهي بين ذينك الخلاءين أقرب إلى الجزيرة منها إلى الأرض المتصلة بباقي المعمور(…) وكأن الأرض المغربية لا تتصل بغيرها سوى عن طريق الخلاء برا وبحرا فيزداد تمسك أهلها بها بقدر ما تشتد حاجة إطالة المقام بها لمن هاجر إليها حتى إنها لبعدها وانعزالها محسوبة في الأساطير اليونانية من جنات الفردوس ودارا للبقاء. وجاء العرب وجعلوها أقصى ما في الغرب حتى إذا ما أزيح الستار نهائيا عن أسرار المعمور اتضح أنها مفترق طرق بين القارات وبين الحضارات وبين الملل وبين النحل. ومفترق الطرق مدخول من كل ناحية منفتح على كل النوافذ”.
يقودنا تحليل إبراهيم بوطالب لطبيعة الموقع الجغرافي للمغرب، ومسألة الانعزال في الطرف القصي، الذي تحول إلى مفترق طرق متعدد الأبعاد، إلى الاهتمام أكثر بتأثير ذلك على تشكل شخصيته الحضارية في الزمن الطويل، في ضوء تلك الإشارة الواردة عند شارل أندري جوليان عن علاقته بالمدنيات الوافدة عليه من الخارج، “التي كسته ثيابا حضارية متنوعة”.
يكشف التفاعل العلمي مع موضوع الحضارات الوافدة على المغرب، من خلال الاستعانة بالمفاهيم الشارحة والاجتهادات النظرية في موضوع درجة التأثير الحضاري في الأطراف والمناطق النائية عند كل من المؤرخ الفرنسي الفذ فرناند بروديل، في تعريفه للبحر الأبيض المتوسط، والمؤرخ الأمريكي المجدد فريديريك جاكسون تورنير، في توظيفه لنظرية الحدود باعتبارها مفسرة للتاريخ، عن مسألتين على قدر كبير من الأهمية:
أولا: تتيح قراءة الموقع الجغرافي للمغرب في علاقته بالتشكل الحضاري للشخصية المغربية في مرآة التقاطع بين نظريتي بروديل وتورنير إمكانية الفهم العميق لثراء هويته، وصلابة كينونته. فبلاد المغرب وإن بدت في ملمحها الجغرافي أشبه ما تكون بالجزيرة النائية، فهي كذلك حضاريا في مستوى هدوء الذات المترسبة الطبقات، التي تفتر على ضفافها مختلف الموجات القادمة من شتى الاتجاهات. لأنها، وبحكم هذا الموقع، لم تكن في يوم من الأيام مجرد محطة عبور ولا مجرى مائي ضحل، بل منتهى المسير ومصب نهر حضاري متعدد الروافد، وملاذا وموطنا للوافدين من آفاق عديدة لمدة زمنية مديدة. مما أتاح تفاعل ذرات وجزيئات مختلف الترسبات الحضارية ببطء، وتراكمها في الزمن الطويل، فيما يشبه الترسبات الصخرية التي تنحت شكلا تضاريسيا، في شكل صخرة صلبة، متعددة الطبقات والمكونات خلال آلاف السنين.
وبينما تظل إشعاعات التأثيرات الوافدة أقل انبعاثا مقارنة بالجوار، مما يفسح المجال لبروز المحلي أكثر وتفاعله مع الوافد، ينتصب بحر الظلمات كحد من جهة الغرب يفرض ضرورة التفاوض مع واقع حاضن لبوتقة انصهار بالقوة وبالفعل.
ثانيا: عندما نعود لتقليب طبقات هذا التاريخ الممتد طويلا، نجد بينها أكثر من محطة كانت الذات فيها تستخرج أقوى وأرقى ما لديها في لحظات الأزمة. حتى صار الهابيتوس (بلغة بيير بورديو) المغربي مُهيكَلا على هذا المنوال، إذ تشكلت شخصية هادئة تستمد ثقتها في ذاتها وقدراتها من ثقل رصيدها التاريخي والحضاري، حيث الجغرافيا صانعة التاريخ، أو ما أسماه جمال حمدان بـ”عبقرية المكان”. لذلك لا غرابة أن تجد المغربي، عبر مسار التطور التاريخي لبلاده، مُسالما ومُهادنا ومضيافا محتضنا للوافد من مختلف الأرجاء، لكن في أزمنة الأزمة أو التطاول يعرف كيف يستلهم من هذا الرصيد أجوبة فاعلة بدل ردود فعل منفعلة.