من يحمل المغرب إلى الدورة الجديدة؟
أكتب هذه الكلمات عشية اقتراع 23 شتنبر وفي ذهني خشية واحدة: أن نعود بعد سنوات إلى هذه المرحلة فنقول إن العلامات كانت أمامنا، وإننا رأينا كل واحدة منها على حدة، لكننا لم نستوعب في الوقت المناسب ما كانت تقوله مجتمعة.
في خطاب العرش ليوم 29 يوليوز، تحدث الملك محمد السادس، حفظه الله، عن الانتخابات المقبلة والحكومة التي ستنبثق عنها، ثم قال إن المغرب يتطلع إلى «إطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي». وإذا أخذنا العبارة بما تستحقه من الجدية، فإنها تضع أمامنا سؤالا أوسع من اسم رئيس الحكومة المقبلة أو هندسة أغلبيتها. فالدورة الجديدة، فيما أرى، لا تعني فقط إضافة مشاريع إلى مشاريع؛ إنها تعني أن بلدا قطع مسافة معتبرة من التحول يستعد لعبور عتبة أخرى في سلم الصعود.
وعند المنعطفات الكبرى لا يكفي أن نسأل ماذا سنبني. ينبغي أن نسأل أيضا: بأي سياسة، وبأي مجتمع، وبأي رصيد من الثقة سنحمل ما نريد بناءه؟
لا يصدر السؤال عن تبخيس ما تحقق ولا عن تشاؤم مما هو قادم. قطعا لا. فمن عاش المغرب خلال ربع القرن الأخير يعرف مقدار ما تغير فيه. موانئ تعيد رسم موقعنا في التجارة العالمية، صناعة السيارات والطيران، الطرق والقطارات، التحول الطاقي، الامتداد الإفريقي، أوراش الحماية الاجتماعية وما يجري إعداده في أفق 2030…كلها شواهد على دولة اكتسبت قدرة أكبر على التفكير الاستراتيجي وتعبئة الموارد وإنجاز المشاريع طويلة النفس.
وفي سياق هذه المنجزات وغيرها كثير، تغيرت الدولة نفسها، وأعادت، تحت تأثير جدل الداخل وتحولات الخارج، تعريف جانب معتبر من مكانتها ووظائفها وأدوات فعلها. وفي تفاعل مع ذلك، تغير الاقتصاد أيضا: إذ تنوعت قاعدته، واتسعت قدرته الصناعية، واشتد اندماجه في الأسواق وسلاسل القيمة العالمية. وتغير المجتمع بدوره بشكل عميق: تمدّن أكثر، واتسع تعليمه، وتحولت بنيته الديمغرافية والاجتماعية، وارتفعت توقعاته، واتسعت صلته بالعالم.
لا يسمح المقام هنا باستعادة تجليات ومسارات هذه التحولات كلها. لكن ما يجدر التقاطه، لأنه يقع في صلب السؤال السياسي الذي يعنيني، أن هذه التحولات أنجبت مواطنا مختلفا عن ذلك الذي بدأت معه دورة التحديث قبل أكثر من ربع قرن. ولا تنقصنا الحجة للتأكيد على حقيقة أن أهم ما استجد هنا أن المواطن لم يعد يسأل فقط عن وجود الخدمة، بل عن جودتها وعدالتها والوقت الذي يحتاجه للوصول إليها، وعن موقعه هو داخل قصة الصعود التي يسمع عنها ويرى شواهدها من حوله. وهذا طبيعي لأن الطريق الذي يصل إلى الدوار يغيّر الدوار. والتحديث، حين ينجح، يغيّر أيضا الإنسان الذي صُمم من أجله.
لكن المواطن الذي تغير لم يجد أمامه سياسة تغيرت بالسرعة نفسها.
ومن هذه المسافة نشأت، في تقديري، واحدة من أهم فجوات اللحظة المغربية: فقد تقدمت قدرة الدولة على تغيير البلد، في جوانب كثيرة، أسرع من قدرة السياسة على تمثل المجتمع الذي أنتجه هذا التحول، وفهم ما يتحرك داخله وترجمته إلى اختيار ومعنى سياسي.
ومع مرور السنوات لم تبق هذه المسافة مجرد تفاوت في السرعة. اعتملت تحت السطح واتسعت، بينما كانت الدولة والاقتصاد والمجتمع تتغير أسرع من السياسة التي يفترض أن تصل بينها. وقد لا يكون من المبالغة القول إنها بلغت اليوم عتبة الأزمة، إن لم تكن بعض وجوهها قد دخلتها بالفعل.
وحين تبلغ الفجوة هذا المستوى، تبدأ آثارها في الظهور خارج لغة التقارير والأرقام. وهذا ما أود تسميته بالانكشاف: أي اللحظة التي يصبح فيها ما كان يعتمل في العمق مرئيا في حياة الناس وسلوكهم، في اختياراتهم، وفي علاقتهم بالمؤسسات، وفي نظرتهم إلى العدالة وإلى المستقبل.
غير أن الانكشاف أنواع. وأولها الانكشاف الاجتماعي. وأول مكان يمكن أن نراه فيه- على سبيل المثال الدال فقط- هو حياة الأسرة نفسها. لا نتحدث هنا عن مجرد غلاء فاحش أو قدرة شرائية متدهورة فقط، بل عن تضاؤل في الهامش الذي تستطيع الأسرة أن تحوله إلى حماية وادخار وتعليم وصحة وصعود اجتماعي، وعن وضع تلتهم فيه ضروريات الحياة الجزء الأكبر من دخل فئات واسعة، وتعيش فيه أسر كثيرة من دون فائض يمكّنها من امتصاص مرض أو بطالة، أو من تمويل انتظار طويل حتى يجد الابن فرصة تليق بما بذله.
إنه، في العمق، تضاؤل لهامش المستقبل نفسه.
وفي الوقت ذاته ضاق ويضيق وسط اجتماعي كان تاريخيا أحد خزانات الاستقرار والترقية، بين قاعدة عريضة أكثر تعرضا للهشاشة وقمة تتربع فوقها أقلية هي الأقدر على الادخار والتراكم.
ومن داخل هذا الضغط يظهر انكشاف آخر لا يقل خطورة وهو الانكشاف الجيلي. وهنا لا تكفي كلمة البطالة. الأدق أن نتحدث عن أزمة عبور: من المدرسة إلى العمل، ومن الاعتماد على الأسرة إلى الاستقلال، ومن الجهد إلى المكانة. ولا حاجة هنا للتذكير بمعدلات بطالة الشباب بين 15 و24 سنة، و ببطالة حاملي الشهادات وبالعدد المخيف من ضحايا الهدر المدرسي.
لكن هذا الجيل لا يعيش أزمة العبور في بلد مغلق. يعيشها أمام شاشة مفتوحة على العالم، يقارن من خلالها الجامعة والعمل والمستشفى والراتب وأنماط العيش في أماكن أخرى. ليست الرقمنة هي من خلقت الفجوة، لكنها جعلتها مرئية كل يوم، ورفعت سرعة المقارنة وخفضت قدرة المجتمع على احتمال الوعود الطويلة. ويزداد الأمر حساسية عندما يصل إلى معنى الاستحقاق نفسه: هل ما يزال الاجتهاد يقود إلى الموقع؟ هل تكفي الشهادة؟ وهل يستطيع ابن أسرة لا تملك شبكة أو «معرفة» أن يصدق أن الطريق أمامه مفتوح بالقدر نفسه؟
وعلينا أن ندرك أن هذا الاعتقاد عندما يتضرر، لا نصبح أمام أزمة تشغيل وحدها، بل أمام إصابة في المعنى الاجتماعي للجهد.
ثم يدخل المجال على الخط. وما يتوجب قوله هنا، بدون مواربة، أن الوطن لم يعد يُعاش بالطريقة نفسها في كل ترابه، وأن الدولة لم تعد تُختبر بالطريقة نفسها في كل مكان. هذا ما يمكن لأي شخص يحتك بالناس ويشعر بأوجاعهم أن يدركه بسهولة. وكلما ازداد وتفاقم الفرق بين الحضري والقروي، وبين الأحياء الراقية وأحزمة البؤس، وبين الجهات وداخلها، في الدخل والخدمات والفرص وقدرة المؤسسات المحلية على الفعل، ينتقل المواطن من السؤال: لماذا تنقصنا هذه الخدمة؟ إلى: لماذا يبدو نصيبنا من الدولة مختلفا؟
وهذه لحظة أشد خطورة من الخصاص نفسه، لأنها قد تفتح الباب أمام تشظٍّ هادئ للمشترك العمومي: يظل الوطن واحدا في الخريطة والمؤسسات، لكنه يصبح محسوسا بسرعات وتجارب متباعدة في الحياة اليومية.
عندها تصبح الوساطة السياسية مسألة دولة، لا مسألة أحزاب فقط.
كان السياسي المغربي، حين كان أكثر رسوخا في المجتمع، يسمع في السوق والنقابة والمقهى والعزاء أشياء قبل أن تصل إلى التقارير. يعرف متى تغيرت نبرة الشكوى، ومتى بدأت القرية تضيق، ومتى توقف الناس عن حضور الاجتماع لأنهم لم يعودوا يرون جدوى منه.
كان السياسي الحقيقي يسمع الوجع وهو لا يزال همسا.
وحين أصيبت هذه الوظيفة بالضعف، لم يخسر الحزب وحده، بل فقدت الدولة أذنا كانت تسمع بها المجتمع.
هنا ظهر الانكشاف الاحتجاجي. ليس الاحتجاج ملفا منفصلا عن الانكشافات الاجتماعية والجيلية والمجالية؛ بل هو التعبير الذي ظهرت وتكثفت فيه هذه الانكشافات مجتمعة حين عجزت الوسائط الحزبية والسياسية عن حمل الضغط وترجمته.
وبهذا المعنى، كان جيل Z لحظة انكشاف قصوى. صحيح أن الصحة والتعليم كانا في قلب المطالب، لكن ما جرى قال شيئا أكبر: جيلا وجد الطريق إلى المجال العام عبر أدواته الرقمية أسرع مما وجده عبر المؤسسات التي يفترض أنها وجدت لتمثيله وتأطيره.
ثم جاءت سبتة وكشفت عن شيء مغاير.
لن أدخل في الجدل الأمني حول ما وقع في 30 يوليوز. ما يعنيني أن إمكانية العبور، حين انتشرت، وجدت أعدادا كبيرة مستعدة لها. وإذا كان صحيحا أن الإشاعة قد تفتح بابا، فإن الأصح أنها لا تصنع كل من كان مستعدا للمرور منه.
وليس التعبيران متماثلين في الدلالة. في احتجاجات جيل Z ظل الغضب داخل البلد؛ كان الشاب يطالب الدولة ويراهن، مهما اشتد احتجاجه، على إمكان التغيير من الداخل. أما في سبتة فقد ظهر استعداد من طبيعة أخرى: البحث عن المخرج نفسه خارج البلد. وهنا يصبح السؤال أكثر ثقلا: أين يضع الشاب مستقبله؟ فالذي يبدأ في ترتيب حياته على أن مستقبله الحقيقي يوجد خارج بلده لا يكون قد توقف فقط عن الثقة في حزب أو سياسة عمومية؛ تكون علاقته بفكرة المستقبل الوطني نفسها قد بدأت تتغير. وهذه، في تقديري، أخطر نقطة: حين ينتقل المستقبل، في مخيلة المواطن، من بلده إلى مكان آخر.
ولا تكمن الخطورة في كل واحد من هذه الانكشافات منفردا. الخطورة تبدأ حين تتغذى من بعضها: أسرة فقدت هامش المستقبل، مدرسة ضعفت قدرتها على الترقية، شاب يتعثر عبوره إلى العمل والاستقلال، مجال يشعر بتفاوت نصيبه من الدولة، سياسة لا تحمل غضبه، وعالم بديل يراه كل مساء على شاشة صغيرة.
لسنا هنا أمام ملفات اجتماعية وتعليمية وتشغيلية وترابية متجاورة. بل أمام منظومة ضغوط متبادلة التأثير، يستطيع كل عنصر فيها أن يزيد العناصر الأخرى ثقلا.
وهنا تبدأ ما أجرؤ على تسميتها بالمخاطر المركبة.
ولا أعتقد أن تشخيص هذه الضغوط يبرر مزاعم المتربصين عن مغرب يتجه حتما إلى المأزق. ما يقلقني أكثر احتمال أقل صخبا، وربما أشد خطرا: أن يستمر البلد في الحركة والإنجاز، بينما تستهلك اختلالات لم تُحل، ببطء، بعض الشروط التي يحتاجها لكي يواصل الحركة والإنجاز.
هذا ما أسميته في مقالات سابقة «استنزاف الزمن الوطني».
وأقصد به أن البلد يتقدم فعلا، لكنه يدفع مع كل تأخر في الإصلاح كلفة إضافية من الزمن والموارد والثقة وهوامش التصحيح. فالمشكلة ليست في وجود الضغوط؛ لأن جميع الدول تواجهها. لكن الخطورة تبدأ حين تتراكم أسرع من قدرة الاقتصاد والمؤسسات والسياسة على امتصاصها، فيصبح ما كان ممكنا إصلاحه اليوم أكثر كلفة غدا، وما كان فجوة قابلة للردم يتحول مع الوقت إلى واقع اجتماعي أو مصلحة متجذرة أو شعور يصعب تغييره.
ولا شك أن لهذا الاستنزاف منابع متعددة تصل اليوم الى الأجندة الوطنية في أزمنة متقاربة: شباب يحتاج إلى العمل والعبور والاعتراف، فيما تتقدم البلاد نحو شيخوخة سترفع كلفة الصحة والرعاية والتقاعد؛ ماء وغذاء وطاقة أصبحت جزءا من الأمن المادي للمجتمع؛ تحول تكنولوجي سريع يرفع ثمن بطء المدرسة والبحث وإنتاج المهارات؛ ودولة اجتماعية تتسع التزاماتها وتحتاج إلى اقتصاد ينتج الشغل الجيد والقيمة والموارد التي تمولها. وهذه ليست تحديات للمجتمع والاقتصاد وحدهما. إنها اختبار لقدرة الدولة نفسها على الاستمرار في أداء وظائفها بالكفاءة والسرعة اللتين ستحتاجهما المرحلة المقبلة.
ولهذا فإن ما أعتبره التحدي الأصعب هو أن تصل هذه الاستحقاقات متزامنة، فتتزاحم على الموارد والكفاءات والقرار والزمن، في اللحظة نفسها التي تتسع فيها دائرة ما ينتظر من الدولة أن تفعله.
بهذا المعنى يصبح استنزاف الزمن الوطني أيضا سؤالا في قدرة الدولة على المحافظة على قدرتها.
والسياسة جزء من هذه المعادلة. فكلما ضعفت الوساطة تأخر التقاط الإشارة قبل تحولها إلى ضغط، وكلما تراجعت قدرة الأحزاب والمؤسسات المنتخبة على التنظيم والتمثيل قصر الطريق بين المطلب الاجتماعي والدولة نفسها. ومع الوقت قد يتحول نجاح الدولة في سد الفراغات إلى عبء إضافي عليها، لأنها تصبح مطالبة بأن تحمل مباشرة ما كان يفترض أن تتقاسمه معها السياسة والمؤسسات الترابية والمجتمع المدني.
بهذا المعنى تصبح قوة الوسائط جزءا من مناعة الدولة وقدرتها على الفعل؛ لا مجرد ترف ديمقراطي زائد .
أمام هذه الصورة، التي تكفي تقارير مؤسساتنا الوطنية لتوثيق جانب كبير من عناصرها، يبرز خلل آخر في المجال السياسي لا يقل أهمية: فبينما ينسحب قطاع من المواطنين من المشاركة المنظمة، لا يبقى المجال الذي يتركونه فارغا. هناك في المقابل مال وشبكات ومصالح تملك قدرة أكبر على الاقتراب من مواقع التمثيل والتأثير.
وقد أعادت ملفات قضائية كبرى عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة طرح سؤال لا ينبغي أن يضيع بانتهاء المحاكمات أو تغير الأسماء: كيف يستطيع مال ارتبط في ملفات جنائية باقتصاد الجريمة أن يجد طريقا إلى مواقع انتخابية ومؤسسات تمثيلية؟ وأي ثغرات في الانتقاء والتزكية والرقابة تجعل المجال السياسي قابلا لمثل هذا الاختراق؟. لا يتعلق السؤال هنا بحزب بعينه، ولا بإدانة جماعية لهيئة بسبب أفعال أفراد. إنه يتعلق بمناعة السياسة نفسها: بقدرة الأحزاب والمؤسسات والقواعد الانتخابية على منع المال غير المشروع من تحويل القوة الاقتصادية السرية إلى شرعية سياسية علنية.
وبالقرب من هذا السؤال، مع الفارق القانوني والأخلاقي الكامل، يوجد سؤال أكثر اتساعا يتعلق بالمال المشروع حين يتحول إلى قدرة غير متكافئة على الوصول إلى القرار. نعم تحتاج بلادنا إلى رأسمال وطني قوي، وإلى رجال أعمال يستثمرون ويغامرون ويخلقون الوظائف. لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى قواعد أقوى من المال.
ومن هنا، حين أستدعي مفهوم الأوليغارشية المفترسة، فليس للشتيمة في الأغنياء، وإنما للتحذير من اللحظة التي تقترب فيها الثروة والنفوذ وصناعة القواعد بعضها من بعض إلى درجة يصبح فيها الوصول إلى القرار موردا لا يتوزع بالتساوي بين المواطنين.
ولسنا أمام دولة مذنبة ومجتمع بريء. المواطن الذي يشتكي من الزبونية قد يبحث عن «المعرفة» حين يحتاج إليها، والذي يلعن الأعيان قد يصوت لمن يقضي له غرضا. وبعض الأحزاب فضلت المرشح الجاهز، وبعض النخب آثرت ما يوفره القرب من أمان على كلفة الاستقلال في الموقف.
لكن المسؤوليات لا تتساوى. من يملك قدرة أكبر على تشكيل القاعدة يحمل مسؤولية أكبر عن إصلاحها.
وحين نضع هذه الانكشافات أمام البرامج الانتخابية المعلنة، يصبح السؤال مختلفا.
ليست المشكلة أن الأحزاب لا ترى شيئا. لأن برامجها الانتخابية المعروضة مليئة بالصحة والتعليم والتشغيل والقدرة الشرائية والعدالة المجالية، وبعضها يذهب إلى الماء والغذاء والطاقة والأمن التكنولوجي. لكنها، في جانب مهم منها، ترى الأشياء أكثر مما ترى العلاقات بينها. بل إنها ما تزال تتعامل، في جزء معتبر من عرضها، مع المواطن باعتباره متلقيا لمنافع ينبغي أن نزيدها أو نوسعها: أجرا ودعما ووظيفة ومستشفى ومدرسة. وكل ذلك ضروري. غير أن ما تكشفه اللحظة أعمق: المواطن يسأل أيضا عن الإنصاف، وإمكان الصعود، وقيمة جهده، وقدرة صوته على التأثير، وما إذا كان المستقبل الذي تعده به بلاده قابلا للتصديق.
هو لا يعيش الصحة والتعليم والعمل والسكن كبنود مستقلة. يعيش مدرسة لا تفتح العمل، وعملا لا يسمح بالسكن، ودخلا لا يخلق فائضا، ومجالا يضيق فيه العرض، وحزبا لا يسمعه، وهاتفا يعرض عليه صباح مساء حياة أخرى.
لهذا يستطيع البرنامج أن يكون غنيا بالإجراءات وفقيرا في تفسير البلد الذي يريد أن يحكمه.
ويزداد الأمر وضوحا حين نصل إلى السخاء في الوعود. فجزء معتبر منها معلق على نسب نمو مرتفعة، بينما يظل جزء من حركة الاقتصاد المغربي، رغم التنوع الكبير الذي حققه، متأثرا بالمطر والفلاحة والطاقة وتقلب الخارج. صحيح أن اقتصادنا أصبح أكبر من أن نختزله في السماء، لكن السماء لم تخرج بعد من معادلة النمو. ولا اعتراض لي على بناء البرامج على فرضيات للنمو؛ كل سياسة تحتاج إلى فرضيات. لكن السياسة الجادة لا تخبر المواطن فقط ماذا ستوزع إذا جاءت الأرقام كما توقعت، بل ماذا ستفعل إذا لم يأت المستقبل وفق الجدول.
وتعيدني هذه النقطة الى تجربة سياسية كان لي شرف المساهمة فيها وتستحق ان نستخرج منها درسا. فحين ظهرت حركة «لكل الديمقراطيين»، في المناخ الذي أعقب الإنصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية، كان في المغرب طموح حقيقي إلى تجديد السياسة وإعادة وصلها بتحولات الدولة والمجتمع. ومن ذلك الزخم انبثق لاحقا حزب الأصالة والمعاصرة، حاملا معه، في لحظة التأسيس على الأقل، شيئا من ذلك الوعد. لكن الحزب دخل إلى امتحان السياسة كما هي: انتخابات تحتاج إلى الفوز، ودوائر تحتاج إلى مرشحين، وموازين قوى تكافئ في أحيان كثيرة صاحب الشبكة الجاهزة أكثر مما تكافئ حامل الفكرة الذي يحتاج إلى زمن لكي يبني حضورا مجتمعيا. ومع الوقت أخذ الرصيد الانتخابي يزاحم رصيد وقيم التأسيس، ثم تقدم عليه في محطات كثيرة. ولم تكن الكلفة في الأفكار وحدها؛ أصابت أيضا بعض من حملوا قيم البداية ومنحوا المشروع جزءا من معناه السياسي والأخلاقي.
لا أقول ذلك تشفيا في تجربة، ولا اختصارا لها في فشل. على العكس، أرى فيها درسا أعمق من الحكم على حزب بعينه: يمكن لمشروع أن يولد من سؤال صحيح، ثم تدفعه شروط المنافسة إلى التضحية شيئا فشيئا ببعض ما وُلد لكي يدافع عنه.
ولهذا لا يكفي أن نبحث اليوم عن رجل جديد أو حزب جديد إذا بقيت الحوافز نفسها. وليس المطلوب بناء شيء على أنقاض تجربة أخرى. السؤال الأعمق هو: ما شروط إنتاج السياسة نفسها؟ ماذا تكافئ البيئة؟ صاحب الفكرة أم صاحب الشبكة؟ بناء الكادر أم استقدام المرشح الجاهز؟ الاستقلال في الرأي والموقف أم براعة التقاط ما يُظن أنه الإشارة الآمنة؟
وهنا أصل إلى صلب ما يعنيني. لقد أصبحت الدولة المغربية شديدة القدرة على إنتاج القرار: تخطط، تعبئ الموارد، تنفذ وتصحح. أما السياسة فما تزال أقل قدرة على إنتاج الشرعية الواضحة لذلك القرار: من اختار؟ من يشرح؟ من يتحمل الكلفة؟ ومن يعاقبه المواطن إذا فشل؟. وأتصور أن هذه الفجوة ستصبح أثقل مع «الدورة التنموية الجديدة»، لأن المرحلة المقبلة لن تختبر فقط قدرتنا على الإنجاز، بل قدرتنا على الاختيار والمفاضلة وتوزيع الكلفة. ستأتي قرارات لا يستطيع الجميع أن يربح منها في اللحظة نفسها، وسيكون على أحد أن يشرحها ويدافع عنها ويتحمل مسؤوليتها أمام الناس.
هنا يصبح الرأسمال السياسي جزءا من قدرة الدولة نفسها. ويقينا فإن قوة الدولة الأرسخ ليست في أن يُعتقد أنها تعرف مسبقا أي اختيار هو الأكثر أمانا، بل في أن تبني قواعد تجعل كل اختيار دستوري ينتجه المواطن آمنا للدولة.
وهنا يكتمل، في نظري، معنى «الدورة الجديدة».
فالمشكلة لم تعد أن السياسة ضعيفة فقط. المشكلة أن استمرار ضعفها قد يصبح قيدا على المرحلة المقبلة من نجاح الدولة.
سيأتي صباح اليوم التالي لانتخابات 23 شتنبر، وستخبرنا الأرقام بمن فاز. وسنشغل أياما بالأسماء والتحالفات والحقائب.
لكن السؤال الذي سيبقى بعد أن ينتهي كل ذلك هو ما إذا كان من سيتولون أمر المرحلة قد فهموا البلد الذي بين أيديهم: مجتمعا أصبح يطلب ويقارن ويغضب بطريقة مختلفة، وقد يبحث عن مستقبله بطريقة مختلفة أيضا؛ ودولة أصبح نجاحها نفسه يرفع مستوى السياسة التي تحتاجها.
ليس ما أخشاه أن يتوقف المغرب عن الصعود. الأخطر أن يستمر في الصعود بينما يبدأ شيء في الداخل باستهلاك الزمن الذي يحتاجه هذا الصعود؛ أن نبني الطريق ولا يصدق الشاب أنها توصله، وأن نوسع الدولة الاجتماعية ولا تتسع بالسرعة نفسها القاعدة الاقتصادية والسياسية التي تحملها، وأن يظل الوطن واحدا بينما يبدأ بعض أبنائه في تصور مستقبلهم خارجه.
لقد استطاع المغرب خلال ربع قرن أن يبني دولة أوسع قدرة على الاستشراف وصناعة الخيارات الكبرى، وعلى تعبئة الموارد وتحويلها إلى فعل.
والسؤال الذي تضعه «الدورة الجديدة» أمامنا هو ما إذا كنا نستطيع الآن أن نبني السياسة التي تليق بهذه القدرة وتصبح سندا لها في المرحلة المقبلة.
هذه المرة، سيكون من الصعب أن نقول إن العلامات لم تكن أمامنا.