محللون: زيارة المبعوث الأمريكي للجزائر تعكس ضغطا غير مسبوق لحسم ملف الصحراء
تشهد العلاقات الأمريكية المغاربية دينامية دبلوماسية لافتة، تجلت بوضوح في زيارة مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأمريكي إلى الجزائر، الاثنين 26 يناير 2026، وهي خطوة تعكس، بحسب محللين، رغبة واشنطن الصريحة في تحريك المياه الراكدة بملف الصحراء، ودفع الأطراف المعنية، وتحديداً الجزائر، نحو الانخراط الجدي في العملية السياسية.
ويتزامن هذا التحرك مع الدعم القوي الذي أبدته الولايات المتحدة لقرار مجلس الأمن رقم 2797، حيث تستثمر واشنطن صفتها كـ”صاحبة القلم” في المجلس لتجاوز مقاربة “إدارة النزاع” التي سادت لعقود، مستبدلة إياها باستراتيجية جديدة تهدف إلى فرض حلول واقعية وطي هذا الملف بشكل نهائي.
في هذا الصدد، يرى المحلل السياسي محمد شقير أن “زيارة مستشار ترامب بولس الثانية للجزائر في ظرف ستة أشهر تعكس ضغطاً قوياً وغير مسبوق على السلطات الجزائرية، وتأتي عقب تقرير رُفع للرئيس ترامب يؤكد تقاعس الجزائر عن البحث عن حلول للخلافات مع المغرب”.
وأشار في حديثه لـ”صوت المغرب”، إلى أن “هذا التقرير أبرز في المقابل استعداد الطرف المغربي لأي تفاوض أو بحث في هذا الشأن تفعيلاً لسياسة اليد الممدودة”.
وأضاف شقير أن “تحديد إدارة ترامب لمهلة 60 يوماً للطرفين للتباحث شكل ضغطاً كبيراً على النظام الجزائري، الذي ما زال يرفض مقتضيات القرار الأممي 2797 دون الإفصاح عن ذلك بشكل مباشر”، موضحا أن” هذا الموقف نابع من اعتبار الجزائر أن واشنطن اختارت المغرب حليفاً استراتيجياً، وأنها تنظر لاتفاقية أبراهام كحلف موجه ضدها”.
ويرى المتحدث ذاته أن “هامش المناورة وربح الوقت الذي تتبناه الجزائر يصطدم برغبة الإدارة الأمريكية في حل النزاعات، ومنها الصحراء، وهو ما ظهر في تشكيل مجلس السلام”، لافتا إلى أن “ترامب، الذي بقي أمامه ثلاث سنوات، يبدي إصراراً كبيراً على حل النزاعات الإقليمية وتحقيق السلام وفق الرؤية الأمريكية”.
واسترسل شقير موضحاً أن “قرب اجتماع مجلس الأمن وتحركات المبعوث الأممي بعد لقاءاته بجنيف تشكل ضغطاً إضافياً على الجزائر للانخراط الفعلي في العملية”، مسجلا أن “هذا يتزامن مع كون الجانب المغربي بصدد تهييئ مقترحاته لتفاصيل تنزيل مبادرة الحكم الذاتي، التي كرسها قرار مجلس الأمن الأخير كأرضية أساسية للحل”.
وأكد المحلل أن “إدارة ترامب عازمة على لعب دور الوسيط الضاغط، وهي تدرك أن النظام الجزائري غير مقتنع بالمشاركة في أي حل لأنه يشعر بأنه سيدخل التفاوض من موقع ضعف”، مبرزا أن “الجزائر تعاني من عزلة دبلوماسية، في وقت تنظر فيه الولايات المتحدة إلى نظامها كنظام يسعى إلى عدم الاستقرار”.
وختم شقير بالإشارة إلى أن “رفض الجزائر نابع من كون أي حل للنزاع سيحرم النظام من ورقة سياسية يستغلها في عقيدته لاستعداء المغرب”، مشددا على أن “النظام الجزائري يوظف هذه الورقة بشكل أساسي في حكم الداخل، مما يجعل من استمرار النزاع مصلحة حيوية لبقائه”.
من جهته، أكد خالد الشيات أستاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد الأول بوجدة، أن “الرسائل الأمريكية خلال هذه الزيارة فيما يرتبط بقضية الصحراء كانت واضحة وحاسمة للغاية”.
واعتبر أن “كل المحاولات التي تقوم بها الجزائر منذ صدور قرار مجلس الأمن هي محاولات بائسة ويائسة، ولن تستطيع تغيير التوجه الدولي العام الذي أصبح أكثر قناعة بمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد”.
وأضاف الشيات أن “هروب الجزائر إلى افتعال أزمات عديدة مع المغرب، ومحاولتها المستمرة لدفع جبهة البوليساريو لرفض طرح الحل في إطار الحكم الذاتي، لعبت في النهاية ضد المصالح الجزائرية”.
ويتابع أن “هذه التصرفات هيأت الأرضية لمضمون التصور الأمريكي الجديد، الذي يتجه للتعامل بصرامة أكبر مع المنظومة السياسية الجزائرية لضبط إيقاعها”.
ويؤكد المحلل ذاته أن “هذه الزيارة تهم المغرب بشكل كبير، نظراً للتقدم الاستراتيجي الذي أحرزته الرباط في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية”، مشيرا إلى أن “القواعد التي تحكم هذه العلاقات أصبحت أكثر وضوحا وثباتا، وتقوم أساسا على الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة”.
من جهة أخرى، اعتبر الشيات أن “جولة المسؤول الأمريكي في الجزائر تأتي بمثابة جس نبض لقراءة الإمكانيات المتاحة، ومدى قدرة الجزائر على نسج علاقات تتناسب مع المصالح الأمريكية”، وهو أمر، بحسب الشيات، “لا يزال يطرح إشكالاً حقيقياً بالنسبة للإدارة الأمريكية التي تجد صعوبة في التوافق مع عقيدة النظام الجزائري الحالية”.
ويفسر المحلل في تصريحه لـ”صوت المغرب”، هذا الإشكال بأن “واشنطن تتعامل مع العالم اليوم بمنطق ما بعد الحرب الباردة، حيث تعتبر أن إنهاء الأنظمة السياسية التي تصنفها كمارقة مسألة أساسية”، ويرى أن “ما تقوم به أمريكا حاليا تجاه الجزائر كان يجب أن يتم منذ أوائل التسعينيات، لإنهاء الممارسات السياسية التي لم تعد مقبولة في النظام الدولي الحديث”.
كما يوضح الأستاذ الجامعي أن “الولايات المتحدة لا تستطيع التعامل مع الدولة الجزائرية إلا بمنطق مصلحي بحت في الوقت الراهن”، لافتا إلى أن هذا المنطق يركز بشكل خاص على ملفات الطاقة، والاستثمارات الأمريكية الممكنة في هذا البلد، بالإضافة إلى استغلال الخيرات المرتبطة بالمعادن النادرة التي تزخر بها الجزائر.
أما على المستوى السياسي، فيشير الشيات إلى “وجود شكوك أمريكية عميقة في جدوى الاستمرار في التعامل مع المنظومة السياسية الحالية في الجزائر بنفس الطريقة، إذ أن هناك قناعة متزايدة لدى صناع القرار في واشنطن بوجود حاجة ملحة لتغيير هذه المنظومة أو تعديل سلوكها بشكل جذري لتتواكب مع المتطلبات الجيوسياسية الراهنة”.
وخلص المحلل إلى أن “التوجه الأمريكي يسير نحو توجيه العلاقات بقوة أكبر، إما في الاتجاه الذي ترسمه الأمم المتحدة للحل السلمي، أو في الاتجاه الذي تفرضه واشنطن”، ما يعني، وفق تعبيره، “فرض انضباط معين على الجزائر تجاه الولايات المتحدة، مما يقلص هامش المناورة ويضع حداً لسياسة الهروب إلى الأمام“.