سرقوا نصف عمره.. المحكمة العليا الإسبانية تبرئ مغربيا بعد 15 عاما من السجن ظلما
أكدت المحكمة العليا في إسبانيا، يوم الخميس 18 يونيو 2026 ، مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي الذي أبقى المواطن المغربي أحمد طموحي خلف القضبان لمدة 15 عاما، بعدما أُدين في سلسلة من قضايا الاغتصاب والسرقة تبين لاحقا أنه بريء منها بالكامل، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ العدالة الإسبانية.
وألزمت المحكمة الدولة بأداء تعويض مالي قدره 2.5 مليون يورو لفائدة طموحي، الذي قضى سنوات سجنه بين الاعتقال والإفراج المشروط، معتبرة أن ما تعرض له لم يكن مجرد خطأ عادي في مسار التقاضي، و إنما “خطأ قضائي قاطع وجسيم” انتهك حقه الأساسي في الحرية.
ويأتي هذا الحكم بعد مسار قضائي طويل امتد لأكثر من ثلاثة عقود، بدأت فصوله في إقليم كتالونيا سنة 1991، حين جرى توقيف عامل البناء المغربي وإدانته اعتمادا على شهادات من ضحايا وشهود، رغم وجود معطيات علمية وقرائن مادية كانت تميل إلى تبرئته منذ البداية.
بداية المأساة
أوضحت وثائق القضية أن أحمد طموحي، المزداد سنة 1951 بمدينة الناظور، هاجر إلى أوروبا بحثا عن العمل واستكمال بناء منزله بالمغرب، قبل أن يجد نفسه متورطا في ملف جنائي معقد ارتبط بسلسلة اعتداءات وقعت في خريف 1991.
وكانت المحاكم الإسبانية قد أدانته في أربع قضايا منفصلة، ثلاث منها تتعلق بالاغتصاب وواحدة بالسرقة، استنادا إلى التعرف البصري عليه من قبل بعض الضحايا، في وقت لم تمنح فيه الأهمية اللازمة للأدلة الجنائية البيولوجية.
وأظهرت التحاليل لاحقا أن عينات السائل المنوي المرفقة في الملف لا تتطابق مع حمضه النووي، وهو ما شكل لاحقا نقطة التحول المركزية في القضية.
ورغم ذلك، استمرت الإدانة لسنوات طويلة، ما جعل طموحي يقضي جزءا كبيرا من حياته داخل السجن، قبل الإفراج المشروط عنه سنة 2006 بعد أن قضى أكثر من نصف العقوبة.
خيط البراءة
وأفادت المعطيات القضائية بأن أول تحول حقيقي في الملف بدأ سنة 1995، حين جرى توقيف أحد المغتصبين الحقيقيين، لتظهر معطيات جديدة عززت رواية البراءة التي ظل طموحي يرددها منذ البداية.
وفي سنة 1996، أكد تحليل الحمض النووي أن المتهم الحقيقي في إحدى القضايا هو أنطونيو غارسيا كاربونيل، شخص يشبه طموحي جسديا إلى حد كبير، ما كشف عن خطأ جوهري في مسار التحقيق.
غير أن هذه المعطيات لم تكن كافية آنذاك لإسقاط باقي الإدانات، وظل الرجل يواصل معركته القضائية لسنوات طويلة في مواجهة رفض النيابة العامة فتح الملف من جديد.
ومنذ سنة 2023، بدأت المحكمة العليا الإسبانية في مراجعة الأحكام تباعا، حيث ألغت أولا إدانتين، ثم ثلاثا، إلى أن أصدرت في دجنبر الماضي قرار البراءة النهائية من آخر الأحكام المتبقية.
خطأ جسيم
اعتبرت الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا أن القضاء الذي أدان طموحي تجاهل بشكل غير مبرر دليلا جنائيا “موضوعيا وحاسما” كان موجودا أصلا داخل الملف.
وسجل الحكم أن هذا الإغفال أدى إلى “انهيار العملية المنطقية لتشكيل القناعة القضائية”، ما يجعل المسؤولية القانونية للدولة قائمة بشكل واضح.
كما شددت المحكمة على أن الحرمان المطول من الحرية في مثل هذه الحالات يضاعف الأضرار النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ويؤدي إلى فقدان فرص الحياة بشكل لا يمكن إصلاحه بالكامل.
ورأت الهيئة القضائية أن ما عاشه طموحي يرقى إلى مستوى استثنائي من الضرر، بالنظر إلى أنه فقد ما يقارب نصف حياته بسبب إدانة ثبت لاحقا أنها باطلة.
معركة العدالة
على امتداد 34 عاما، لم يتوقف أحمد طموحي عن المطالبة بإثبات براءته، رافضا حتى عرض العفو الذي قدم له في نهاية التسعينيات، لأنه كان يعتبر أن العفو “يمنح للمذنبين لا للأبرياء”.
وخلال هذه السنوات، كان يردد أن العدالة سرقت منه نصف عمره، قبل أن تتضاعف مأساته بعد بتر إحدى ساقيه قبل سنوات، ليقول حينها إنهم سرقوا نصف جسده أيضا.
ولعبت محاميته الحالية، سيليا كاربونيل، إلى جانب أستاذ القانون الإجرائي توماس فيسنتي باليستيروس، دورا حاسما في إعادة فتح الملفات وتقديم طعون المراجعة التي انتهت بإسقاط كل الأحكام.