دكاترة وفقهاء يؤكدون على أهمية أمانة التبليغ وربط الدين بالحياة اليومية والنظام العام
أكد عدد من المتدخلين خلال ندوة علمية أن السيرة النبوية تمثل مرجعًا أساسيًا لفهم قيم الدين ومبادئه، وتطبيقها في مختلف مجالات الحياة اليومية، مشيرين إلى أن هذه المناسبة تشكّل فرصة لتعزيز أمانة التبليغ وتنظيم العمل الديني على أسس علمية، وضمان وصول الرسالة إلى جميع شرائح المجتمع دون تحريف أو نقصان.
و قد جاء ذلك خلال ندوة علمية حول نظمتها مؤسسة علال الفاسي اليوم الأربعاء 11 مارس 2026، بمناسبة مرور 15 قرنا على ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وأوضح المتحدثون أن أهداف التبليغ تتجاوز الجانب الشعائري لتشمل القيم الاجتماعية والأخلاقية، مثل التضامن والتكافل، وحسن الخلق، واحترام القوانين والنظام العام، مع ربط الدين بالمعيش اليومي للأفراد، مشددين على أهمية التعاون بين المؤسسات الدينية والدولة لتحقيق نتائج ملموسة في التربية والتعليم والصحة والبيئة، بما يعكس روح الرسالة النبوية ويضمن حياة طيبة للمجتمع.
أمانة التبليغ
في هذا السياق أكد سعيد الشبار الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى، أن خطة تسديد التبليغ تشكل الإطار الأساسي لعمل المجلس في إيصال قيم الدين ومقاصده للناس، وفق الهدي النبوي الشريف.
وأوضح الشبار أن هذه الخطة تهدف إلى تنظيم العمل التبليغي وترتيب القضايا الدينية على أسس علمية، بما يضمن وصول الرسالة كاملة غير منقوصة إلى جميع شرائح المجتمع.
وأضاف أن من بين أهم دوافع الخطة توسيع دائرة التبليغ لتشمل كافة المجالات الحياتية، مع التعاون بين أهل الخبرة والاختصاص، لضمان توجيه القيم والأخلاق نحو مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم.
كما شدد على أن الخطة تهدف إلى إسناد وازع السلطان بالدين، حيث يكتسب المجتمع قوة معنوية ومادية من تكامل وازعي الدولة والدين في خدمة الناس وتحقيق التنمية.
وأكد أن من أبرز أهداف تسديد التبليغ ربط الدين بالحياة اليومية، وتقليص الفجوة بين مضامين الدين وسلوك الأفراد، وإرساء قاعدة لمحاسبة النفس وممارسة الأخلاق في كل جوانب الحياة.
وأوضح أن المجلس العلمي الأعلى يشرف على هذا العمل من خلال تكوين الأئمة والمرشدينفي معاهد محمد السادس، وتنظيم برامج تلفزية وإذاعية، والإشراف على الميتاق الأسبوعي لأكثر من أربعمائة وخمسين ألف إمام، لضمان وصول الرسالة إلى أوسع نطاق.
وأضاف أن خطة التبليغ تشمل المضامين الأساسية، منها ثمرات الإيمان في العمل الصالح، واستقامة الأحوال بالعبادات، والاهتمام بحقوق الله والعباد، مع التشديد على الصدق والأمانة والوفاء بالعهود.
كما شدد على أن الخطة تعطي أهمية كبرى لـالتضامن الاجتماعي والتكافل، مع التوعية بالحقوق والواجبات الأسرية، وتعزيز المودة والرحمة والصبر لضمان بيئة مناسبة لتربية الأبناء.
وأكد أن الأمن والنظام العام جزء لا يتجزأ من خطة التبليغ، عبر الالتزام بالقوانين، والتوعية بالسلامة الطرقية، والحد من الجريمة، بما يسهم في حفظ الأرواح والممتلكات.
وأوضح أن من مكونات الخطة أيضا التوعية الصحية والبيئية، من خلال تعزيز الصحة النفسية والجسدية، وتجنب الإسراف، والمحافظة على نظافة الأيدي والبيئة، والوقاية من الأمراض المتنقلة.
كما لفت إلى أن المجلس العلمي الأعلى يسعى لتعزيز التعاون مع مؤسسات الدولة المختلفة، لضمان نجاح التبليغ في المجالات الحيوية كالاقتصاد، القضاء، الصحة، التربية، البيئة، والأمن، مستفيدًا من الوازع القرآني لتحقيق نتائج ملموسة وأقل تكلفة ممكنة.
و شدد على أن كل هذه الجهود تهدف إلى تحقيق الحياة الطيبة للناس، وفق الوعد الإلهي، وتحقيق السعادة الدنيوية والأخروية، مستشهدا بقول الله تعالى: “من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة”.
النظام العام
من جهته شدد رئيس المجلس العلمي المحلي بالعرائش إدريس بن الضاوية على أن النظام العام في المغرب قائم على تأليف متوازن لأجزائه، ويستمد أصالته من مجموعة من الأصول التي تحافظ على مصالح الأمة ووحدتها العقدية والمذهبية والسلوكية والسياسية.
وأوضح بن الضاوية أن هذه الأصول تتوارثها الأجيال منذ القدم، ويقتنع بها المغاربة للحفاظ على كيان الأمة وضمان استقرارها، مستحضرين سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والسياسة والتدبير.
وأضاف أن مقاصد النظام العام ترتكز على ركنين أساسيين: إخراج من استجاب من حال الظلمة إلى مقام النور، وهداية الناس إلى بناء جماعة نموذجية متماسكة تمثل روح الرسالة.
كما شدد على أن إخراج الناس إلى النور يقوم على العلم النظري والعملي، فالأول يشمل معرفة الله وصفاته وأفعال النبي، ومعرفة المعاد وأهواله، فيما يتعلق الثاني بتنفيذ الأوامر الظاهرة والباطنة، وتجنب المناهي التي تضر بالآخرين وبالذات.
وأكد أن الأوامر الظاهرة تشمل العبادات الأساسية كالطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، وتلاوة القرآن والأذكار، وهي وسائل لترسيخ الأخلاق والسلوك الحسن.
وأوضح أن المناهي الظاهرة تشمل منكرات السلوك كالسب واللعن والبذاءة والغيبة والعقوق وقطيعة الرحم والزنا والظلم، فيما يهدف الباطن إلى تجنب الجهل والنفاق والحسد والغضب والكبر، مع تنمية النية الصادقة والتوكل والحمد والشكر والمحبة والرضا.
وأضاف أن الركن الثاني للنظام العام هو بناء الجماعة النموذجية المتماسكة، التي تحقق الإنصاف وحسن التخلق وتولد الخير بين الأفراد، وتعزز فهم الإسلام ورحمته، وتحقيق السعادة الدنيوية والأخروية.
كما شدد على أن المغاربة وعوا أهمية النظام العام في حياتهم اليومية، فعملوا على ضمان تحقيقه من خلال الرجوع إلى سيرة النبي، واستحضار تطبيقات القائمين مقامه في البلاغ عنه، مع مراعاة أصالة الاجتماع وروح الدين.
وأكد أن الأصول الجامعة للنظام المغربي تشمل: العقد الأشعري في الإلهيات والنبويات، المذهب المالكي المدني المتسنن، التصوف المتخلق المتسنن، وإمارة المؤمنين القائمة على البيعة الشرعية، وهي عناصر محورية في ضبط شؤون الأمة.
وأوضح أن المذهب المالكي يوفر للمغاربة إطارا عمليا ومدنيا لاستنباط الأحكام بما يحقق مصالح الناس، ويضمن العدالة والاعتدال، ويجنب الغلو أو الانحراف في الاجتهادات.
وأضاف أن التصوف المتخلق المتسنن يشجع على العمل الصالح، وحسن الخلق، واتساع دائرة النفع، وترسيخ المكارم، مع الالتزام بالولاية الشرعية على مستوى العمل، ومراقبة النفس في السر والعلن.
كما شدد على أن إمارة المؤمنين أساس النظام العام، فهي تحافظ على الدين والسلطان ووحدة الأمة، وتجمع بين شؤون الدنيا والدين، مع حماية الملة، وضمان الأمن والاستقرار، وترسيخ الكرامة والسكينة بين المواطنين.