حرب تُطبخ على “نار هادئة”
صار السؤال الأكثر “إثارة للحماسة” هو: “متى يقصف الجيش الأمريكي إيران؟”، أو “من سيتولى الضربة الافتتاحية: إسرائيل أم أمريكا؟”، أكثر من السؤال: “هل ستقع الحرب؟”.
ومع ذلك، لا أحد يملك، الآن، وعلى وجه اليقين، جواباً في هذا الزمن الترامبي الأغبر، الذي أصبح فيه اختطاف رؤساء الدول يمرّ بشربة ماء، وتُرتكب فيه إبادةٌ مِلْءَ السمع والبصر ويبشّر مُبشّرٌ بـ”برامج مكافحة خطاب الكراهية والدعوة للتعايش”، ويقصد “تثقيف” الضحية بالتسامح، لا المجرم.
سنضطر لانتظار وقوع الحرب أو عدم وقوعها وفق مزاح ترامب، الذي يمكن أن “يقصفنا” يوماً، ضمن واحدة من تغريباته، بتغريدة على “تروث سوشل” بشأن “حكمة المرشد الإيراني الأعلى ورؤيته المتبصّرة”، إذا ما سلّمته إيران له ما يريد. وقبل وقوع الحرب، لا يملك أحدُنا إلا ترتيب المعطيات وتجميع البيانات، واستخلاص فكرة.
مؤشرات كثيرة تذهب في اتجاه أن الحرب على إيران “تحصيلُ حاصل”، وأن الجاري “ربحُ وقت”، أولاً من واشنطن لمزيدٍ من التحشيد العسكري والتحصين الدفاعي لأصولها العسكرية و”حليفتها” في المنطقة، وثانياً من إيران لتجهيز الدفاع ومحاولة تقليل الخسائر من جانبها، والتحضير للردّ.
تضخُّ إيرانُ مناسيبَ تفاؤل بشأن “جديّة” مفاوضات مسقط وجنيف، فيما لا حديث في واشنطن إلا عن “عدم رضى” على نتائج المفاوضات، وعن حاملات الطائرات وعدد المقاتلات التي تُرسل إلى المنطقة، وحجم كتلة النار التي ستُواجه بها طهران إنْ هي رفضت شروط ترامب. وتتكلّف صحافةٌ “رائدةٌ” مستعدةٌ لتناسي دروس مهنيةٍ تمارس الأستاذية بشأنها، كما قُبيل كل الحروب الأمريكية، بدور “التمهيد الناري” بشأن السردية، وتتولى المصادر المُجَهَّلة في هذه الصحافة إرباك “العدو” عبر القصف بآلاف التسريبات التي تقول الشيء ونقيضه، لكنها لا تكاد تنزاح عن الإشارة إلى فجوة خلافات كبيرة لم ترْدِمها محادثات ويتكوف/ عراقجي، فيما المتحدثون الرسميون من أركان الإدارة الأمريكية حريصون، خطابياً، على إنتاج لغة الحرص على الدبلوماسية خياراً أولاً لتحقيق الهدف، مع التلويح بإمكانية المرور إلى العمل الحربي.
الجاري الآن يبدو كعملية إنتاج واسعة لـ”القصّة السياسية” قبل إطلاق “الرصاصة الأولى”، بحيث تحاول طهران إظهار الجدّية في التفاوض بالتأكيد على عدم وجود نوايا للحصول على السلاح النووي ربطاً بفتوى المرشد، والاستعداد لتقديم الضمانات بشأن هذه النوايا، مع التشبث بالحقّ في التقنية النووية السلمية على الأراضي الإيرانية.
واشنطن تطلبُ، في المقابل، تخليّاً تاماً ومضموناً عن المشروع النووي، عبر تصفير التخصيب، ضمن اتفاق “إلى أجل غير مسمى”، يتجاوز “هفوة” الاتفاق المسقوف بتواريخ التزام، كما في اتفاق 2016. وطبعاً، لن يكون في نيّة دونالد ترامب الاكتفاء بتسليم المشروع النووي، إذ سيزيد قطعاً، ضمن لائحة المطالب ( الإسرائيلية)، المشروع الصاروخي الإيراني، المجرّب خلال حرب الـ12 يوماً في 2025، والمؤذي لدولة الاحتلال أساساً.
فعلياً، الحاصل الآن، بغض النظر عن المشروع النووي الذي تفاخر ترامب بـ”تدميره” قبل أن يعود للإسهاب بشأن مخاطره، هو عملية تدفيع حساب مؤَجَّلٍ من واشنطن وتل أبيب ضد إيران. شاغبت طهران على امتداد عقود ضد مصالح أمريكية إسرائيلية في المنطقة.
ووفق التقييم الأمريكي الإسرائيلي، السياق مهمٌ للغاية والفرصة قد تكون سانحة. إيران في “أسوأ” وضعياتها منذ عقود، بعد مفاعيل هجوم 7 أكتوبر 2023، إذ توجد المقاومة الفلسطينية في وضعية إنهاك، فيما لحِقت أضرار بالغةٌ بحزب الله في مواجهة إسرائيل، أو ضمن المعادلة اللبنانية بعدما صار مُحاصراً بخطاب سياسي وسلوك حكومي يطالب بـ”حصرية السلاح وبسط سيادة الدولة”. أما الميليشيات العراقية الموالية لإيران فتوجد في حالة مراوحة بين الإقدام والإحجام ضمن تعقيدات المشهد العراقي الداخلي، وفي ارتباط بالسلوك العسكري الأمريكي الذي أظهر استعدادا للضرب دون قدرة هذه القوى على الرد أو فرض توازنات ردع. وحدهم الحوثيون، الموالون لإيران أيضاً، لا يزالون يحتفظون بأوراق ضغط، وبامتياز القدرة على التحرّك والضرب، وأيضا تحمّل الضربات، في ظل فقرٍ استخباراتي إسرائيلي أمريكي معلوم.
بتحريض إسرائيلي لا يخفى، تستثمر أمريكا في لحظة تآكل خطوط الدفاع الإيرانية المتقدمة في أكثر من بلدٍ عربي، وفي مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد في سورية، وبعدما خاضت واشنطن ضد طهران حرب استنزاف منذ سنوات، من العقوبات الاقتصادية إلى المواجهات العسكرية، المباشرة وغير المباشرة، وحرب استخباراتية شرسة.
تفحص واشنطن الآن فرضيةً مُفادها أن “موسم جني الثمار” قد حان. وتتصرف تل أبيب، وتحاول أن تُقنع واشنطن، بمنطق “النافذة المفتوحة” قبل أن تُغلق، والذي يعني ببساطة: الآن أو إلى الأبد.
لن تُراهن أمريكا، ضمن أي حرب محتملة، على عنصر المفاجأة، كما حصل في حرب الـ12 يوماً التي بادرت بها إسرائيل التي “قطفت” جزءاً كبيرا من قيادة أركان الجيش الإيراني والحرس الثوري ومسؤولين سياسيين وعلماء نوويين، في عملية أدّى فيها ترامب دور “المنوّم” عبر مفاوضات تأكّد فيما بعد أنها كانت خديعةً وجزءاً من أعمال الحرب عبر التمويه والتضليل. ستراهن واشنطن، على الأرجح، على عاملِ الصدمة، والتي تعني، إن وقعت الحرب، استعراضاً عسكرياً شاملاً وإظهاراً مُفرطاً للقوة إن تقرّر أن هدف الحرب إسقاط النظام، وضمن معادلات تتجاوز إيران، إلى بعث رسائل إلى كل الأطراف المناوئة والمنافِسة في العالم، تحت شعار “السلام من خلال القوة”.
التحشيد الأمريكي الأضخم منذ غزو العراق، والمستمر منذ أسابيع، يتجاوز حدود تكتيكات الاستعراض لتحصيل مكاسب سياسية وانتزاع اتفاق تحت مفاعيل الضغوط القصوى. كثافة التحضير تشير إلى نوايا هجوم سيحدد ترامب نطاقه، بين محدودٍ يؤدي أغراض “قرصة الأذن” للعودة للتفاوض والعصى فوق الرؤوس، وبين حرب من بين أهدافها إسقاط النظام الإيراني، بعدما فشلت الاحتجاجات الأخيرة، كما سابقاتها، في إنهائه، رغم الدعم الأمريكي الإسرائيلي الصريح والعلني.
وبين “قرصة الأذن” و”هدم معبد الولي الفقيه” مساحةٌ كبيرة لا يقْدر أحدٌ على ملء فراغاتها، أو التوقّع بمآلاتها. يسرّب حزب الله لـ”فرانس برس” قبل أيام ما يعتبرها “خطوطاً حمراء” قد تُدخله الحرب: استهداف المرشد أو السعي لإسقاط النظام الإيراني. وللفهم، يكاد المصدر (المجهول) يقول إن الحزب غير معني بالحرب إذا لم تتجاوز حدود الضربات المحدودة.
في إيران، السقف أعلى. بعد ساعات من تسريب “نيويورك تايمز” نقلا عن “مطلعين على مداولات داخلية في الإدارة الأمريكية” أن ترامب قد يأمر بـ”ضربات محدودة” في مرحلة أولى، يخرج مسؤول إيراني للقول إنه “في حال شن هجوم محدود أو واسع النطاق، فعلى الجميع أن يتوقعوا حرب استنزاف طويلة الأمد وواسعة النطاق”. ومعنى الكلام، أي هجوم سيتم التعامل معه على أساس أنه حربٌ شاملة. رئيس هيئة الأركان الإيرانية كان أكثر وضوحا وهو يشير إلى أن نهج بلاده السابق كان يقوم على “منع اتساع رقعة النزاعات وتقليص الخسائر، لكن أداء الولايات المتحدة فرض تغييراً في هذا النهج”.
ذروة التوضيح نُشر في موقع “خامنئي” الإعلامي، التابع لمكتب المرشد الإيراني، الذي بسط معالم استراتيجية إيران للتعامل مع أي عدوان محتمل، محذّراً من أن أي حرب مقبلة “لن تكون محدودة، وستتجاوز كلفتها حدود إيران، لتطاول المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، وقد تفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة متعددة الجبهات، بمشاركة حلفاء طهران”. وأكد أنه إذا ما حصل هذا العدوان “ستتغير الخطوط الحمراء السابقة جذرياً، وسيكون ميدان المعركة أوسع مما مضى (..) في حرب الـ12 يوماً، لم يدخل حلفاء إيران في المنطقة إلى الميدان، وتحركت الجمهورية الإسلامية بمفردها ضد المعتدين الصهاينة والأمريكيين، أما في أي حرب مستقبلية محتملة، فإن هذه المعادلة ستتغير، وسيواجه العدو جبهات متعددة ومتنوعة في ميادين قتال مختلفة”.
كلام موقع المرشد الإيراني يؤخذ على محمل الجدّ، حتى أمريكياً. لكن جدوى الكلام تكون دوما في تضييق الهامش الذي يفصل التهديد بفعلٍ عن تنفيذه. ولئنْ كانت القدرات والموارد العسكرية الأمريكية معلومةً ولا خلاف على تفوّقها، فإن مواردَ إيران أظهرت قصوراً في حالة الدفاع خلال الحرب الأخيرة، وفرضت في المقابل نوعاً من توازن الإيلام مع إسرائيل من خلال الصواريخ الباليستية، التي أدّت أغراضها في ضرب قلب تل أبيب كما لم يحصل يوماً.
قصارى القول
نتائج الحروب لا تُحسمُ قبل أن تندلع، لهذا تقترب الحرب الأمريكية على إيران أكثر من أيّ مرّة، وتقترب معها مخاطر بحجم منطقة الشرق الأوسط. لذلك، تتحرّك آلة دبلوماسية إقليمية لإبعاد شبح المواجهة، خاصة مع تأكيد طهران أن نطاق حربها، بنفسها أو من خلال وكلائها/ حلفائها، سيكون مجمل مناطق انتشار الجيش الأمريكي ومصالح واشنطن.
هذا يعني أن جزءاً من المنطقة العربية قد يكون ضمن خط المواجهة. لاحت مقدمات خلط الأوراق وتلاشي الخطوط الحمراء خلال استهداف إيران في يونيو 2025 لقاعدة العُديد في قطر، وتبعه هجوم إسرائيل على عاصمة الدولة الخليجية نفسها في شتنبر 2025 خلال محاولة اغتيال قيادات حماس.
وفي انتظار الآتي، لا أبلغ من رسالة زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي، تشاك شومر، للأمريكيين عقب إحاطة سرية قدّمها وزير الخارجية ماركو روبيو بشأن إيران: “انظروا، الأمر خطير”.