story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

بعد قرار المحكمة الدستورية.. العدول: انتصار تاريخي يعيد الاعتبار لمهنة التوثيق العدلي

ص ص

اعتبر مهنيو العدول بالمغرب، أن القرار الأخير للمحكمة الدستورية، القاضي بعدم دستورية عدد من مواد القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، شكل انتصارا لعدالة المهنة، إذ لم يقتصر الحكم على الرقابة الشكلية، بحسبهم، بل غاص في عمق القوانين ليعيد الاعتبار للتوثيق العدلي كركيزة للأمن العقاري والتعاقدي.

وفي هذا الصدد، وصف الكاتب العام للجمعية المغربية للعدول، عبد الرزاق بويطة، قرار المحكمة الدستورية الأخير رقم 263/26 بأنه يشكل “منعطفا استراتيجيا” في مسار توطيد مكانة مهنة التوثيق العدلي بالمملكة المغربية، معتبرا إياه إشارة هامة وجب على المسؤولين داخل الهيئة الوطنية للعدول التقاطها بجدية.

وأكد بويطة، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن هذا الحكم الذي وصفه بـ “التاريخي” يمثل انتصارا حقيقيا لروح الدستور ومبادئ العدالة التنافسية، مشيرا إلى أن المحكمة الدستورية لم تقف في تعاملها مع النص عند حدود الرقابة الشكليّة والسطحية المعتادة، “بل غاصت في عمق فلسفة القوانين لتُعيد الاعتبار لمهنة التوثيق العدلي”.

ويرى المتحدث أن “هذه المهنة تُعد ركيزة أساسية لا غنى عنها لحفظ الأمن العقاري والتعاقدي لجميع المواطنات والمواطنين المغاربة”.

“زاويتين متكاملتين”

وقسم الكاتب العام للجمعية المغربية للعدول أبعاد هذا الحكم القضائي الهام إلى “زاويتين متكاملتين”؛ تتعلق الأولى منهما بتكريس الحماية الدستورية والعدالة المهنية، في حين ترتبط الزاوية الثانية باستدامة الأمن التوثيقي كأولوية وطنية قصوى.

وفي تفصيل المحور الأول، أوضح بويطة أن القضاء بعدم دستورية المواد 8، و53 (في فقرتيها الأولى والثانية)، و67 (البند الأول) من القانون رقم 16.22، “يُمثل رسالة واضحة وصارمة من القضاء الدستوري بحظر أي تراجع عن المكتسبات المهنية التي أرساها الملك محمد السادس”.

وشدد المسؤول المهني على أن هذا الموقف الدستوري يعكس رفضا قاطعا للمقتضيات التشريعية التي قد تؤدي إلى الإقصاء أو الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص، معتبرا الحكم “إنصافا قضائيا بارزا يعزز موقع العدل كشريك موثوق ومحوري في البناء المؤسساتي للبلاد”.

أما بخصوص الزاوية الثانية المتعلقة بالمواد من 140 إلى 194، فقد أشار بويطة إلى أن تنبيه المحكمة الدستورية لإغفال المشرع ضمان استمرارية المرفق العام التوثيقي “يعكس رؤية سديدة تضع مصلحة المواطن واستقرار المعاملات فوق كل اعتبار”.

وزاد الكاتب العام للجمعية موضحا أن الأمن التوثيقي ليس ترفا تشريعيا أو مهنيا، بل هو عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المملكة، مما يجعل من ضمان ديمومته واستمراريته واجباً دستورياً صارماً لا يمكن التغاضي عنه.

وخلص عبد الرزاق بويطة في ختام تصريحه، إلى التشديد على أن “هذا الحكم يضع الجميع مشرعين وممارسين أمام مسؤولية تاريخية مشتركة لصياغة تشريع متطور وعادل، يستوعب الإشارات الدستورية ، ويؤسس لمهنة توثيقية قوية تليق بمغرب الحق والقانون”.

مخالفة للدستور

وكانت المحكمة الدستورية، في قرارها رقم 263/26 م.د الصادر بتاريخ 15 يونيو 2026، قضت بعدم دستورية المادة 8 والفقرتين الأولى والثانية من المادة 53 والبند الأول من المادة 67 من القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، كما اعتبرت أن المواد من 140 إلى 194 المنظمة للهيئة الوطنية للعدول والمجالس الجهوية للعدول مخالفة للدستور فيما أغفلته من ضمان استمرارية المرفق العام التوثيقي.

وفي المقابل، اعتبرت المحكمة أن باقي المواد التي كانت محل الطعن، من بينها المادة 37 والمادة 50 والمادة 51، والفقرة الثانية من المادة 55، والفقرة الأولى من المادة 63، والفقرتان الثانية والثالثة من المادة 77، لا تتضمن ما يخالف الدستور، مؤكدة سلامة عدد من المقتضيات المرتبطة بتنظيم ممارسة مهنة العدول والتوثيق العدلي.

ويأتي هذا القرار على خلفية الإحالة التي تقدم بها 93 عضوا بمجلس النواب إلى المحكمة الدستورية، استنادا إلى مقتضيات الفصل 132 من الدستور، من أجل البت في مدى مطابقة عدد من مواد القانون رقم 16.22 للدستور قبل إصدار الأمر بتنفيذه.

وأوضحت المحكمة في قرارها أنها لم تقتصر على فحص المواد التي أثارتها جهة الإحالة، بل مارست صلاحيتها في إثارة بعض المقتضيات تلقائيا كلما تبين لها وجود ارتباط مباشر بأحكام دستورية قد تتأثر بمضامين القانون المعروض عليها.

وفي ما يتعلق بالمادة 53، سجلت المحكمة أن المشرع أجاز للعدلين تلقي الإشهاد مباشرة من الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية أو الكلامية، وجعل الاستعانة بترجمان محلف أو خبير في لغة الإشارة أو شخص مؤهل مشروطة بقيام صعوبة في التلقي المباشر وخاضعة للسلطة التقديرية للعدلين.

واعتبرت المحكمة أن هذا التنظيم لا يوفر لهذه الفئة الضمانات الكافية للتعبير عن إرادتها تعبيرا يقينيا وكاملا عند تلقي العقود والشهادات، كما لا يكفل لها الاستفادة من الخدمات التوثيقية على قدم المساواة مع باقي المتعاقدين. الأمر الذي يشكل إخلالا بمتطلبات المساواة الفعلية والحماية القانونية المقررة للأشخاص في وضعية إعاقة.

وبخصوص البند الأول من المادة 67 المتعلق بشهادة اللفيف، والذي يشترط ألا يقل عدد الشهود عن اثني عشر “ذكورا وإناثا”، رأت المحكمة أن هذه العبارة تفتقر إلى المدلول المحدد والواضح، وتفتح المجال أمام تأويلات مختلفة بشأن كيفية احتساب نصاب الشهود.

وأكدت المحكمة أن الغموض الذي يعتري هذه الصياغة من شأنه أن يؤدي إلى تطبيقات متباينة واجتهادات مختلفة، بما يمس استقرار المراكز القانونية للمخاطبين بها ويتعارض مع متطلبات الأمن القانوني التي يكرسها الدستور.

أما المادة 8 المتعلقة بحالات التنافي مع مهنة العدول، فقد اعتبرت المحكمة أن المشرع حدد حالات التنافي لكنه أغفل تنظيم الجوانب الإجرائية المرتبطة بها، إذ لم ينص على أجل لتسوية الوضعية، ولا على مسطرة للتصريح بحالة التنافي، ولا على الجهة المختصة بتلقي هذا التصريح والبت فيه.

وسجلت المحكمة أن هذا الإغفال يطال عناصر جوهرية لازمة لإعمال القاعدة القانونية، وينتج عنه فراغ تشريعي من شأنه تعطيل التطبيق المتوازن للنص وفتح المجال أمام تفسيرات متضاربة، وهو ما يجعل المادة غير مطابقة للدستور.

ولم يقتصر قرار المحكمة على المواد التي كانت موضوع الطعن، بل امتد إلى المواد المنظمة للهيئة الوطنية للعدول والمجالس الجهوية للعدول، والتي خصص لها القانون البابين الثاني عشر والثالث عشر الممتدين من المادة 140 إلى المادة 194.

وأوضحت المحكمة أن هذه الهيئات تساهم بشكل مباشر في تدبير مرفق عام ذي طبيعة قضائية وتوثيقية، من خلال الصلاحيات المخولة لها في تنظيم المهنة وتأطير ممارستها وضمان حسن سيرها.

غير أنها سجلت أن المشرع، رغم تنظيمه لبنية هذه المؤسسات واختصاصاتها، لم يضع آليات قانونية واضحة لمعالجة حالات التعطيل أو العجز التي قد تصيب الهيئة الوطنية للعدول أو المجالس الجهوية للعدول، سواء عند تعذر انعقاد أجهزتها أو عدم قدرتها على ممارسة مهامها.

واعتبرت المحكمة أن غياب هذه المقتضيات يمس مبدأ استمرارية المرفق العام، ويحرم المرتفقين من الضمانات الأساسية المرتبطة بحماية حقوقهم واستمرار الخدمات التوثيقية، بما لا ينسجم مع متطلبات الحكامة الجيدة التي يقرها الدستور.

وخلصت المحكمة إلى أن المواد من 140 إلى 194، وإن كانت تعيد تنظيم الهيئة الوطنية للعدول والمجالس الجهوية وتحدد اختصاصاتها، فإنها تظل مخالفة للدستور فيما أغفلته من مقتضيات تضمن استمرارية المرفق العام التوثيقي وتؤمن استمرارية عمل هذه المؤسسات في حالات التعثر أو الشلل المؤسساتي.

وبذلك يكون القرار قد أبقى على معظم المقتضيات الأساسية التي جاء بها قانون تنظيم مهنة العدول، مقابل مطالبته بإعادة النظر في عدد من المواد التي رأت المحكمة أنها تعاني من غموض تشريعي أو نقص في الضمانات القانونية أو إغفال لمقتضيات جوهرية مرتبطة بحماية الحقوق واستمرارية المرفق العام التوثيقي.