بعد استئناف العلاقات مع دمشق.. المغرب يضع تجربته في العدالة الانتقالية رهن إشارة “سوريا الجديدة”
في أعقاب استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرباط ودمشق، وتدشينها بأول زيارة رسمية لوزير خارجية سوريا أسعد الشيباني للمغرب وإعادة فتح سفارة بلاده، برز توجه واضح نحو فتح مرحلة جديدة من التعاون الثنائي، لا تقتصر على البعد السياسي التقليدي، بل تمتد إلى مجالات إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الحكامة وتبادل الخبرات في قضايا ما بعد النزاعات.
وفي هذا السياق، أكد المسؤولون المغاربة، خلال المباحثات الثنائية، استعداد المملكة لتقاسم تجربتها مع “سوريا الجديدة” في عدد من المجالات ذات الطابع المؤسساتي والحقوقي، من بينها تدبير العدالة الانتقالية كما جاء على لسان ناصر بوريطة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج خلال مؤتمره الصحفي في الرباط مع نظيره السوري، باعتبارها إحدى أبرز التجارب التي راكمها المغرب خلال العقود الأخيرة في مجال معالجة آثار الانتهاكات وبناء المصالحة الوطنية.
ويترجم هذا التوجه عمليا من خلال استعداد المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، لاستقبال أعضاء المجلس الاستشاري للمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، التابعة لهيئة الأمم المتحدة، الثلاثاء المقبل، 19 ماي 2026، في زيارة يرتقب أن تشكل انطلاقة أولى لتقاسم الخبرة المغربية في هذا المجال، وعرض التجربة المغربية في تدبير مرحلة الإنصاف والمصالحة، إلى جانب استعراض آليات العمل المؤسساتي والتنسيق بين الفاعلين الوطنيين في قضايا حقوق الإنسان.
كما سيجري الوفد، ضمن برنامج زيارته، لقاءات مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومع عدد من أعضاء هيئة الإنصاف والمصالحة سابقا، إضافة إلى شخصيات وهيئات حقوقية مغربية، بهدف الاطلاع على مختلف مستويات تدبير ملفات الذاكرة وجبر الضرر.
وتعد تجربة المغرب في مجال العدالة الانتقالية من أبرز التجارب في المنطقة، خصوصا مع إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، كآلية وطنية لمعالجة إرث “سنوات الرصاص”، عبر الكشف عن الحقيقة، وجبر الضرر الفردي والجماعي، وتقديم توصيات إصلاحية لضمان عدم التكرار وتعزيز دولة الحق والقانون.
ولم يقتصر إشعاع هذه التجربة على الإطار الوطني، بل تحول المغرب خلال السنوات الماضية إلى مرجع إقليمي ودولي في هذا المجال، من خلال استقبال وفود من دول عربية وإفريقية، والانخراط في برامج أممية لتقاسم الخبرات في مجالات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
وقد شمل هذا الانفتاح تعاونا مع تجارب في ليبيا وتونس واليمن وعدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، حيث تم تبادل الخبرات حول آليات جبر الضرر، وحفظ الذاكرة، وإصلاح المؤسسات.
وينتظر أن يشكل الملف السوري أول اختبار عملي لهذا التوجه الجديد في العلاقات الثنائية بين البلدين، في ظل الاهتمام الدولي المتزايد بملف المفقودين، وعودة النقاش حول العدالة الانتقالية كمدخل أساسي لأي تسوية سياسية مستدامة في مرحلة ما بعد الحرب.
يذكر أن ملف المفقودين في سوريا يعد من أكثر الملفات الإنسانية تعقيدا منذ اندلاع موجة “الربيع العربي” سنة 2011، حيث تتحدث تقارير أممية ومنظمات حقوقية عن عشرات الآلاف من الأشخاص الذين فقد أثرهم خلال سنوات النزاع، سواء داخل مراكز الاحتجاز أو خلال العمليات العسكرية أو أثناء النزوح والفرار من مناطق القتال.