انتخابات 2026.. أكاديميون يناقشون التجربة الانتخابية بالمغرب وتأثير المنصات الرقمية
احتضنت جامعة محمد الخامس بالرباط، يوم الخميس 22 يناير 2026، أشغال اليوم الثاني من الندوة الوطنية الموسومة بـ “الانتخابات التشريعية لـ2026: القوانين ورهانات التمثيل والمشاركة”، بمشاركة أساتذة جامعيين وباحثين مختصين في القانون والعلوم السياسية. ويأتي تنظيم هذه الندوة في سياق التحضير للاستحقاقات التشريعية المقبلة، وضمن نقاش أكاديمي حول الإطار القانوني والمؤسساتي المؤطر للعملية الانتخابية بالمغرب.
وخصصت الجلسة الختامية لهذا اليوم لمناقشة قضايا مرتبطة بتدبير الانتخابات، من بينها تطور التجربة الانتخابية المغربية، ونظام تمويل الأحزاب السياسية، وتحولات التواصل السياسي في ظل تنامي دور المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. وقد عرفت الجلسة تقديم مداخلات علمية ركزت على الجوانب القانونية والتنظيمية والعملية ذات الصلة بالانتخابات التشريعية، في أفق استحقاقات سنة 2026.
في هذا السياق، قدّم عبد العالي حامي الدين، أستاذ القانون الدستوري، مداخلة تناول فيها التجربة الانتخابية المغربية منذ أول انتخابات تشريعية سنة 1963، مشيرا إلى أن سياسة الدولة في تدبير الانتخابات تقوم على هدفين أساسيين، هما ضمان شرعية النظام السياسي وتجديد النخب السياسية دون التأثير على السياسة العامة للدولة.
وأشار حامي الدين إلى أن التجربة المغربية يمكن وصفها بـ”أفرحة انتخابية بدون ديمقراطية”، موضحًا أن الانتخابات تتسم بالرهانات السياسية، لكنها محدودة الديموقراطية. وقال إن الانتخابات المغربية رغم وجود منافسة حزبية، إلا أنها غالبًا لا تسمح بظهور أغلبية برلمانية مستقلة.
واستعرض مختلف الولايات التشريعية التي عرفها المغرب، من الولاية الأولى (1963-1965) التي استمرت أقل من سنتين قبل إعلان حالة الاستثناء، مرورًا بانتخابات 1971 ومرحلة المجلس الواحد، وصولًا إلى التعديلات التي عرفتها القوانين الانتخابية ابتداءً من أواخر التسعينيات. كما توقف عند انتخابات 2011 و2016 و2021، مشيرًا إلى أن انتخابات 2016 أفرزت نتائج مختلفة عن منطق الهندسة الانتخابية المعتادة، في حين جرت انتخابات 2021 في سياق استثنائي مرتبط بجائحة كورونا، مع اعتماد نمط جديد للائحة والتقاسم الانتخابي.
وتطرق حامي الدين أيضًا إلى الجوانب القانونية والتنظيمية للعملية الانتخابية، خاصة ما يتعلق بتقسيم الدوائر الانتخابية، وتفاوت التمثيلية بين بعض الدوائر، إضافة إلى تنظيم مكاتب التصويت، معتبرًا أن هذه العناصر تؤثر بشكل مباشر على عدالة التمثيل وسير العملية الانتخابية.
وخلص الأستاذ الجامعي والقيادي في حزب العدالة والتنمية إلى أن التجربة الانتخابية المغربية منذ 1963 وحتى اليوم تعكس مزيجًا بين التحكم التقليدي في النتائج الانتخابية والمنافسة السياسية المحدودة، مع تغيرات تدريجية في أدوات التحكم واللوائح الانتخابية، لكنها تظل “انتخابات برهانات سياسية أكثر منها ديمقراطية كاملة”.
من جانبه، تناول هشام زوبير أستاذ القانون العام بالرباط الإطار القانوني المنظم للموارد المالية للأحزاب السياسية، مشيرا إلى أن قانون 2011 كرس ازدواجية التمويل بين التمويل الذاتي والدعم العمومي. وأوضح أن التمويل الذاتي يشمل مساهمات الأعضاء والمنخرطين، وإسهامات المنتخبين، إضافة إلى بعض الأنشطة المرتبطة بالطباعة والإعلام، في حين يهدف الدعم العمومي إلى تمكين الأحزاب من ممارسة أنشطتها السياسية وإنجاز الدراسات والأبحاث.
وأشار زوبير إلى أن توزيع الدعم العمومي يتم وفق حصة أساسية متساوية بين الأحزاب، وحصة ثانية مرتبطة بنتائج الانتخابات، مع إخضاع هذه الموارد لرقابة مالية صارمة، تشمل آجال تقديم الحسابات، والإشهاد المحاسبي، وإمكانية الحرمان من الدعم في حالة الإخلال بالالتزامات القانونية.
كما تطرق إلى المستجدات التي عرفها قانون الأحزاب، خاصة رفع سقف التبرعات وتوسيع بعض مصادر التمويل، مع استمرار منع تمويل الأحزاب من قبل الهيئات الخاضعة للقانون العام. وأشار إلى أن المحكمة الدستورية أكدت، في قراراتها الأخيرة، على ضرورة ربط التمويل بالشفافية والمحاسبة واحترام الأهداف الدستورية للأحزاب السياسية.
وأشار زوبير إلى أن مغاربة العالم يمكن أن يتلقى الحزب دعمًا يعادل ستة أضعاف المبلغ المخصص لكل مقعد في الاتحاد العادي، مؤكدًا أن تعزيز شفافية العملية الانتخابية وضمان نزاهتها يتطلب تقوية آليات الرقابة وفرض جزاءات صارمة، مثل سحب الحق في الدعم العمومي أو القضاء على طلب حل الحزب في حال عدم تقديم الحساب السنوي لمدة ثلاث سنوات متتالية.
واختتم زوبير مداخلته بالإشارة إلى التجارب الدولية للمقارنة، مبينًا أن فرنسا تعتمد بشكل رئيسي على التمويل العام للأحزاب مع رقابة متطورة رغم وجود تحديات، مثل قضايا التمويل الليبي لحملات الانتخابات الرئاسية في 2007 و2012، إضافة إلى قضايا أعضاء البرلمان الأوروبي. أما إسبانيا، فتعتمد على الدعم الحكومي مع رقابة صارمة على التمويل الخارجي، في حين تعتمد مصر على آلية مختلطة تشمل التمويل الحكومي غير المباشر مع تحديات مشابهة لتلك الموجودة في المغرب.
وأوضح أن موقف المحكمة الدستورية المغربية من تعديلات قانون الأحزاب لعام 1921 (قرار رقم 1255) أكد على تعزيز الموارد المالية للأحزاب، وتوسيع الدعم التمكيني بما يخدم الغايات الدستورية، مع التركيز على الشفافية والمحاسبة لضمان حماية الشرعية العامة في جميع العمليات المتعلقة بتمويل الأحزاب السياسية.
أما الأستاذة أمال بنبراهيم، فقد خصصت مداخلتها لموضوع التواصل السياسي والاجتماعي في المغرب في ظل التحول الرقمي، مشيرة إلى أن الحملات الانتخابية أصبحت تعتمد بشكل متزايد على المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم بجمع بيانات المواطنين وتحليل سلوكياتهم لتوجيه الرسائل السياسية. وأوضحت أن هذه الممارسات تعتمد على الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، ما يسمح بتخصيص المحتوى السياسي حسب اهتمامات وسلوك كل ناخب.
وتناولت بنبراهيم تأثير هذه التحولات على نزاهة العملية الانتخابية، مشيرة إلى أن تخصيص المحتوى وتضخيم بعض القضايا عبر المنصات الرقمية قد يؤثر على وعي الناخبين وقدرتهم على التمييز بين المعلومة والخطاب الموجّه. كما استعرضت الإطار القانوني الذي اعتمده المغرب لمواكبة هذه التحولات، من خلال مشاريع قوانين تهدف إلى تنظيم الحملات الرقمية ومحاربة الأخبار الزائفة، مع الإشارة إلى محدودية هذه النصوص في ضبط الاستخدام غير المعلن للبيانات والخوارزميات.
كما تناولت بنبراهيم تأثير الخوارزميات والذكاء الاصطناعي على العملية الانتخابية، مشيرة إلى قدرة الخوارزميات الحديثة على تصميم محتوى معرفي مخصص لكل فئة من الناخبين، ما يخلق فقاعات معرفية تعرض للمواطنين معلومات تختلف عن غيرهم. وأكدت أن هذا التقسيم يؤدي إلى صعوبة تمييز الناخب بين الواقع والمعلومات المصممة، مما يقلل من قدرة الفرد على النقاش العقلاني ويؤثر على نزاهة العملية الانتخابية.
وعن الإطار القانوني، أشارت بنبراهيم إلى اعتماد المغرب لمجموعة من النصوص لمواكبة التحولات الرقمية وتأثيرها على الحملات الانتخابية، منها مشاريع القوانين رقم 55-25 و55-29، والتي تهدف إلى تنظيم الحملات على المنصات الرقمية، ومراقبة الإعلانات السياسية، ومنع انتشار الأخبار الزائفة أو التلاعب بالذكاء الاصطناعي، مع تعزيز الشفافية والمسؤولية في استخدام البيانات الرقمية للناخبين. وذكرت أن المادة 51 الجديدة تجرّم صناعة الأخبار الزائفة ومنع استغلال الخوارزميات للتأثير غير القانوني على الناخبين.
وقدمت بنبراهيم نماذج مقارنة من التجارب الأوروبية والفرنسية والإسبانية، التي تعتمد آليات قانونية أكثر صرامة لتنظيم الإعلانات السياسية الرقمية وحماية البيانات الشخصية للناخبين، مؤكدة على أهمية تطوير الإطار التشريعي الوطني لمواكبة هذه التحولات.
وأوضحت أن فرنسا اعتمدت قانونًا لمكافحة التضليل الرقمي خلال الانتخابات سنة 2012، يشمل القضاء السريع ضد المحتوى المضلل خلال أقل من 24 ساعة وإلزام المنصات بالرقابة الذاتية على المحتوى الانتخابي. أما إسبانيا، فتعتمد على حماية قانونية صارمة للبيانات الشخصية، مع تنظيم الإعلانات السياسية الرقمية وفق شروط تضمن حماية الناخبين.
واختتمت بنبراهيم مداخلتها بالتأكيد على أن حماية الانتخابات أصبحت مرتبطة بضوابط المنصات الرقمية والخوارزميات، داعية المغرب إلى تطوير مقاربة تشريعية شاملة تنتقل من مجرد معالجة المخاطر الرقمية إلى تنظيم الأرضية الحسابية التي تضمن شفافية المنافسة الانتخابية وحماية الناخبين من الاستهداف غير المشروع، بما يوازن بين استخدام وسائل التواصل الرقمي وحماية بيانات المواطنين.