story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

الركراكي “البهلوان !”.. حين تتحول كرة القدم إلى درس في النهضة

ص ص

بعدما أسهمت فلسفة وليد الركراكي المختزلة في عبارة «ديرُو النية.. بدلو العقلية»، في تحرير النخبة الوطنية لكرة القدم وطيف لا بأس به من الجماهير المغربية من عقدة النقص أو الخوف، ومن العقلية السلبية وربط العمق أو النضج الفكري بالسوداوية وتوقُّع الأسوأ، وبعدما تحقق إنجاز مونديال قطر 2022 وما تلاه من إنجازات (التتويج بالشان 2024، برونزية الألعاب الأولمبية 2024، كأس العرب 2025، التتويج بكأس العالم للشباب 2025..)، فقد آن الأوان للبحث عن نماذج تُشبه وليد في مختلف المجالات.

نعم. نحن في حاجة إلى نماذج تُسهم في تحرير الطاقات، نماذج تُربي الأمل بدل رعاية اليأس، نماذج تبحث عن الإنجازات بدل الاحتفاء بالنكبات، نماذج تدفع نحو العمل الجاد النزيه والالتزام لتحقيق معجزة تنموية تقفز بالمغرب إلى مصاف الدول المتقدمة، كما قفز المنتخب إلى أعلى الهرم في مجال الكرة العالمية (المرتبة الثامنة حاليا).

في حاجة إلى:

نموذج في الحكومة والإدارة والتأطير.
نموذج في التشريع والعدالة والقضاء.
نموذج في الاقتصاد وخلق الثروة.
نموذج في تدبير الجماعات الترابية.
نموذج في الإعلام والصحافة.

إن عبارة «ديرُو النية.. وبدلُو العقلية»، وكل التحفيزات في خطاب وليد، لا يجب أن يُنظرَ إليها كمجرد تصريحات في لحظات حماسية عابرة، بل كبوصلة للتفكير لمواجهة التحديات وحشد الهمم نحو مغرب آخر ممكن.

فخطاب “رأس لافوكا” أمام الصحافة قُبيل انطلاق منافسات مونديال قطر 2022 كان عنوانا لتحوّلٍ نفسي وثقافي عميق في علاقة اللاعب المغربي، بل والإفريقي عموما، بالمنافسات الدولية؛ إذ نجح الرجل في كسر حاجز غير مرئي ظل يُطارد منتخبات القارة لعقود: عقدة النقص أمام الكبار، والخوف من اللحظة الكبيرة، والشعور بالهزيمة قبل وقوعها.

قبل تلك المرحلة، كانت كثير من المنتخبات الإفريقية تدخل البطولات العالمية بسقف طموح منخفض؛ إذ كان يُنظر، أحيانا، إلى المشاركة كإنجاز، وإلى تجاوز الدور الأول كشرفٍ كبير، أما الحديث عن اللقب فكان يبدو مبالغا فيه، وربما ضربا من الجنون، وقد يعرّض أصحابه لسخرية وتنمّر قاسٍ.

وكان ذلك يقود إلى تسلل الشك إلى ذهن اللاعبين في اللحظات الحاسمة، حتى عندما يمتلكون الموهبة، فتضيع الفرص أمام منافسين يؤمنون أكثر بأنفسهم وقدرتهم على الفوز.

مع وليد تغيّر الخطاب، وارتفع السقف بشعار: «النية.. وغاضرب البوطو وتخرج»، قبل أن تتغير النتائج. لم يعد الهدف هو تجاوز الدور الأول و«تشريف المشاركة»، بل المنافسة الحقيقية؛ ففي كل تصريح تقريبا، كان يصرّ على أن لاعبي المنتخب الوطني قادرون على مقارعة أفضل المنتخبات في العالم.

هذا الخطاب الجديد لم يكن مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي، بل إعادة تشكيل لوعي المجموعة، ما أدى إلى تحقيق انتصارات على منتخبات عريقة (بلجيكا، إسبانيا والبرتغال).

انتصارات لم تكن مجرد مفاجآت، بل نتيجة لالتزامات تكتيكية وإيمان بالذات، ودليلا على أن حاجز الخوف قد انهار؛ إذ لم يعد اللاعب المغربي يشعر أنه أقل شأنا من خصمه الأوروبي أو اللاتيني، وآمن بإمكاناته، وافتخر بهويته المغربية، وقهر رونالدو وربين دياز، ديبروين، هازارد، رودي، وبوسكيتش وغيرهم..

في هذا الصدد، لا بد من التأكيد أن فلسفة «ديرُو النية» لم تكن خطابا عاطفيا أجوف أو تعويذة أو تميمة سحرية، وإنما إيمانا قويا بالذات، بعد الانضباط لتعليمات صارمة داخل المستطيل الأخضر؛ تعليمات تتماشى مع قدرات وخصوصيات لاعبي المنتخب الوطني، أنتجت فريقا جماعيا قويا يجمع بين الصلابة الدفاعية والضغط العالي والاعتماد على التقنيات الفردية للاعبين (مثلا: بوفال) والانتقال السريع نحو الهجوم ثم منطقة العمليات (رأسيات النصيري المحكمة).

ولم يكن طريق وليد مفروشا بالورود، بل كان طريقا وعرا مليئا بالتحديات والصعوبات داخل الملعب وخارجه؛ إذ كان يتعرّض لضغوط إعلامية وجماهيرية قوية وصلت حد السخرية اللاذعة من تصريحاته المحفّزة، واصفين إياه بـ«البهلوان الذي لا يفقه شيئا في عالم المستديرة».

إن الرسالة المستخلصة من تجربة وليد، أو «رأس لافوكا» كما لُقّب إعلاميا، أو «البهلوان» كما يراه العميقون الراسخون في «علم السوداوية والتيئيس والسلبية»، هي أن من يؤمن بقدراته يستطيع أن يحقق نتائج إيجابية مهما كانت التحديات والصعوبات؛ فكثير من الإنجازات العظيمة في الحياة البشرية بدأت من فكرة صغيرة؛ إن الإنجاز يبدأ في الذهن قبل أن يتحقق في الواقع.

لقد أعاد وليد صياغة علاقة الجمهور بالمنتخب الوطني المغربي، حين أعاد إلى الخطاب الكروي المغربي مفردات الانتماء والهوية و«العائلة» والقتالية داخل الملعب والتحفيز في المدرجات، فصارت هتافات «سير سير سير»، وشعار «ديما مغرب»، أكثر من مجرد عبارات؛ بل حالة شعورية جماعية عاشها المغاربة في مونديال قطر 2022. فكم من وليد نحتاج في المغرب للنهوض بالبلاد؟

*المحفوظ طالبي