“هفوة تقدير” كاشفة.. كيف تخترق “السردية الصهيونية” ورشات التراث اليهودي بالمغرب؟
كشفت أنثروبولوجية مغربية شابة، شاركت سابقًا في عدد من برامج التراث اليهودي والحوار بين الأديان في المغرب، عما تعتبره أبعادًا سياسية غير معلنة داخل بعض هذه المبادرات، التي تقول إنها تُقدَّم في الغالب بصيغة ثقافية وتربوية.
ونقلت صحيفة ميدل ايست آي، البريطانية، عن الباحثة ياسمين (اسم مستعار) التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، حديثها تجربتها الشخصية داخل هذه البرامج دفعتها إلى إعادة النظر في طبيعة أهدافها وسياقات عملها.
تصف ياسمين انخراطها الأولي في برنامج للحوار بين الأديان بأنه كان مدفوعاً بفضول معرفي وأكاديمي صرف، معتبرة تلك الفترة الآن “خطأ في التقدير”.
تقول ياسمين في حديثها لـ “ميدل إيست آي”: “كثير من المشاركين الشباب لا يميزون بوضوح بين اليهودية كدين والصهيونية كأيديولوجيا سياسية. هذه المشاريع تعمل بدقة في تلك المنطقة الرمادية؛ تقدم محتوى ثقافياً وتاريخياً جذاباً، لكنها تدسّ بذكاء سرديات سياسية موجهة”.
وتشير إلى إن هذه الحدود المموهة تساعد هذه المبادرات على تشكيل المواقف بشكل فعّال، مضيفة أن الجانب الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لها هو “مدى سهولة الانزلاق إلى سرديتهم دون الانتباه لذلك”.
لحظة الحقيقة بالنسبة لياسمين جاءت مباغتة، حين وجدت نفسها أمام كاميرات قناة إخبارية إسرائيلية أثناء إدارتها لورشة عمل. لاحقاً، صُدمت برؤية كلماتها وقد أُعيد سياقها على التلفزيون الرسمي الإسرائيلي لتخدم “سردية صهيونية أوسع” لم تكن تدرك أنها جزء منها. عندها أدركت “كيف يمكن للبرامج الثقافية أن تمتزج بسلاسة مع ما هو سياسي”.
وتروي الباحثة، التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها الحقيقي لأسباب أمنية، أنها انخرطت في البداية في هذه المشاريع باعتبارها أنشطة أكاديمية وثقافية تهدف إلى التعريف بالتراث اليهودي المغربي وتعزيز التعايش بين الأديان، لكنها لاحقًا أعادت تقييم تجربتها ووصفتها بأنها “خطأ في التقدير” بعد اكتشاف أبعاد أخرى لهذه البرامج.
وبحسب ياسمين، تعمل هذه المنظمات بطريقة مدروسة لاستدراج الشباب المغاربة إلى برامج تبدو في ظاهرها خالية من أي طابع سياسي.
ومقارنة بالأندية الشبابية الصهيونية في الماضي، تقول إن الأهداف “متشابهة في جوهرها من حيث تعزيز الارتباط، لكن الأساليب تغيرت بشكل جذري”.
وتضيف أنه في عهد “عملية ياشين”، كانت هذه المشاريع تُشكَّل وفق “مصالح الدولة، وأحيانًا أولويات مرتبطة بالاستخبارات، وكان الهدف أساسًا هو تعريف الشباب المغاربة بإسرائيل والتاريخ اليهودي من خلال مقاربة مباشرة وهرمية من الأعلى إلى الأسفل”، بحسب قول ياسمين.
وتقول إن هذا النهج كان بعيدًا كل البعد عن كونه “مبطّنًا”، مضيفة أنه “لم يكن مُصممًا ليكون كذلك؛ بل كان يخدم هدفًا سياسيًا واضحًا”. لكن هذا الأسلوب المباشر أصبح أقل قابلية للاستمرار مع تزايد وضوح الدعم الشعبي المغربي الثابت لفلسطين، خاصة بعد التطبيع عام 2020، وكذلك حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة بين 2023 و2025.
وتقول لموقع “ميدل إيست آي” إن “أي شيء مرتبط بإسرائيل يصبح تلقائيًا مثيرًا للجدل في المغرب، لأن الدعم الشعبي لفلسطين عميق ومُستمر”، مشيرة إلى أن هذا الضغط غيّر طريقة عمل هذه الجمعيات. وتضيف: “أصبحت أكثر تحفظًا في رسائلها العلنية، وتركز أكثر على الجوانب الثقافية أو التاريخية بدل أي محتوى قد يكون سياسيًا”.
وتشير كذلك إلى أن هذه المشاريع تعتمد على استراتيجيات تستهدف الشباب بشكل أساسي، من خلال تقديم فرص للتكوين والسفر والتبادل الثقافي، إضافة إلى بناء شبكات علاقات دولية، وهو ما يجعلها جذابة لفئة واسعة من الشباب المغاربة.
وتقول ياسمين إن مشاركة الشباب “ليست مجرد فئة ديموغرافية؛ فهم أكثر الفئات تأثيرًا في نقل الرسائل في المشهد الاجتماعي اليوم”.
ويبدو أن اختيار المشاركين لا يتم بشكل عشوائي. فعلى سبيل المثال، تقول ياسمين إن منظمة “شراكة”، التي مقرها تل أبيب، “تميل إلى اختيار الشباب الذين لديهم بالفعل حضور، سواء في ريادة الأعمال أو النشاط المدني أو الأحزاب السياسية أو القيادة في المجتمع المدني”.
وغالبًا ما يكون لدى هؤلاء المشاركين عدد كبير من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، كما يُعرف عنهم أنهم يتحدثون علنًا عن الإدماج الاقتصادي، والمساواة بين الجنسين، أو دعم المطالب بالسيادة على الصحراء المغربية. كما يشاركون في حركات سياسية كبرى في الرباط أو الدار البيضاء.
اختيار الأشخاص بهذه الطريقة هو جزء من الاستراتيجية، بحسب المصدر ذاته. تقول ياسمين: “هؤلاء لديهم جمهور يثق بهم، ويتابعهم ويتفاعل مع ما يقولونه”.
ويعتبر تقرير الصحيفة البريطانية أحد المواطنين المغاربة الذي يدعى (م. د) مثالًا واضحًا على ما تقصده ياسيمين. إذ يمتلك أكثر من 5,600 متابع على فايسبوك فقط، وينشر الشاب بانتظام منشورات حول مواضيع سياسية، مع تأكيد انتمائه لمنظمة “شراكة” الإسرائيلية.
وبعد أن أشاد به برنامج تلفزيوني إسرائيلي ووصف “جهوده الشجاعة” في “تكريس حياته لجمع اليهود والمسلمين”، أعاد (م. د) نشر المقابلة وعلّق قائلاً: “هذا هو النموذج الذي نحاول تصديره إلى العالم بأسره، ونعدكم بالعمل أكثر”. وأرفق منشوره برمز تعبيري لعلم المغرب وإسرائيل جنبًا إلى جنب.
وبالنسبة لبعض الشباب، فإن المشاركة تنبع من فضول حقيقي حول التراث اليهودي في بلدهم، “خصوصًا مع تزايد الاعتراف به كجزء أساسي من الهوية الوطنية”، كما تقول ياسمين لموقع “ميدل إيست آي”.
لا يتم اختيار الشباب المشاركين في الرحلات إلى إسرائيل أو مواقع الهولوكوست في أوروبا عشوائياً. تشير ياسمين إلى أن التركيز ينصب على “النخب الشابة”؛ رواد أعمال، ونشطاء سياسيون، ومؤثرون يمتلكون قاعدة جماهيرية واسعة وثقة مجتمعية.
مشاريع اختراق
يربط التقرير بين الأساليب الحالية ومخططات قديمة تعود لستينيات القرن الماضي، وتحديداً “عملية ياخين” التي أشرفت عليها الوكالة اليهودية، الذراع التنفيذية لـ“المنظمة الصهيونية العالمية”، والتي نقلت ما يقارب 90 ألف يهودي من المغرب، إلى الأراضي الفلسطينية المحلة بين عامي 1961 و1964. وقد شملت هذه العملية إنشاء أندية شبابية صهيونية كان الهدف منها نشر الدعاية بين الشباب المغربي.
وإذا كانت تلك الحقبة قد اتسمت بأساليب “فوقية” ومباشرة عبر نوادٍ صهيونية، فإن النهج الحالي، بحسب ياسمين، بات أكثر “عضوية” ودهاءً، بحيث يمتزج فيه الدعم الإسرائيلي والأمريكي مع أدوار الشتات اليهودي والشراكات المحلية لخلق قبول شعبي متدرج.
وتبرز في هذا السياق منظمات مثل “شراكة” و “نحن مينا”، التي أسستها الحكومة الإسرائيلية. هذه الأخيرة أطلقت في عام 2025 مبادرة “من الكراهية إلى الأمل”، التي استهدفت تربويين مغاربة لنقل دروس حول “الهولوكوست” إلى الفصول الدراسية، في محاولة لتغيير القناعات الراسخة لدى الأجيال الناشئة تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.
ويكشف التقرير عن خيوط تمويلية مثيرة للجدل؛ فمنظمة (Asor) الأمريكية، الشريكة في مشاريع ترميم التراث بالمغرب، مرتبطة بمنصة (JGive) التي قدمت ملايين الدولارات كدعم مباشر لجنود الجيش الإسرائيلي على جبهات القتال بين عامي 2023 و2024.
كما تبرز منظمة “درور”، التي تدعمها الحكومة الإسرائيلية بميزانية ضخمة، والتي تركز نشاطها في المغرب عبر شركاء محليين مثل “جمعية ميمونة” و”جمعية المغرب للتعايش”، بهدف تعزيز قيم الصهيونية تحت غطاء التبادل الثقافي.
وتكمن قوة هذه المنظمات في قدرتها على كسب “الشرعية الثقافية” من خلال التعاون مع مؤسسات مغربية عريقة، مثل الجامعات. هذا الغطاء المحلي يجعل الأنشطة تبدو موثوقة وغير قابلة للتشكيك في نظر الشباب، مما يسهل عملية تمرير الرسائل السياسية بمرونة عالية.
ويخلص التقرير إلى أن مشاريع حماية التراث اليهودي المغربي الممولة من المنظمات الأجنبية، بات يُستغل في بعض جوانبه كـ “حصان طروادة” لاختراق الموقف المغربي التقليدي الداعم للقضية الفلسطينية، ومحاولة إعادة صياغة وعي الجيل القادم عبر بوابة التاريخ والثقافة.