story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

عدول المغرب “يشلّون” التوثيق.. إضراب مفتوح في وجه قانون “مثير للجدل”

ص ص

“مقتضيات تمسّ باستقلالية المهنة وتُكرّس التمييز التشريعي مقارنة مع باقي المهن القانونية، في وقت نُعدّ فيه ركيزة أساسية في تحقيق الأمن التعاقدي للمواطنين”، بهذه العبارة صدحت حناجر العدول بالمغرب، أمام البرلمان الأسبوع الماضي، حيث يواصلون فصول التصعيد ضد مشروع القانون رقم 16.22المنظم للمهنة، الذي يصفونه بـ”القانون الجنائي للعدول”.

ولم يأتِ قرار التوقف الشامل عن تقديم الخدمات التوثيقية بشكل مفاجئ، من خلال إعلان الهيئة الوطنية للعدول عن خوض إضراب مفتوح، بدءا من 13 أبريل المقبل؛ بل جاء امتدادا لمسار احتجاجي متدرج. فقد سبق للعدول أن خاضوا توقفا عن العمل امتد لأسابيع، إلى جانب تنظيم وقفات احتجاجية، في محاولة للضغط من أجل تعديل مشروع القانون المذكور.

مرحلةٌ أخرى من التوتر بين العدول ووزارة العدل، يعتبرها المهنيون جزءا من “مسلسل نضالي ضد مخطط تصفوي يقيّدهم بالتزامات مالية وأخرى متعلقة بالتفتيش والمراقبة والتأديب”. ولذلك يطالبون بسحب مشروع القانون، المعروض على مسطرة التشريع بمجلس المستشارين، مدافعين عن “الأمن المهني باعتباره ركيزة للأمن القانوني والقضائي للمواطنين” ورافضين بذلك وصف مطالبهم بـ”الفئوية”.

غير أن هذا الاعتراض ليس سوى مدخلا لمطالب أوسع يرفعها العدول، وفي مقدمتها تحديث المهنة، من خلال مراجعة التسمية وتعزيز رقمنة شاملة تواكب التحولات الجارية، وتُسهم في تبسيط المساطر وتسريع الخدمات لفائدة المواطنين. كما تمتد هذه المطالب إلى “إسقاط” الحرمان من الحق في الإيداع ومراجعة مجموعة من الإجراءات التأديبية.

المنهجية “مرفوضة”

إذا كانت الوزارة تدافع عن احترامها المنهجية “التشاركية” من خلال مباشرة “حوار مسؤول وبناء” مع الهيئة الوطنية للعدول، لتقييم القانون المنظم للمهنة رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة الساري النفاذ، والاطلاع على تصورات الهيئة ومقترحاتها بخصوص مراجعة هذا الإطار القانوني، واستشراف تطلعات مهنيي القطاع بشأن مستقبل المهنة وسبل تأهيلها، فإن العدول يدفعون برأي مختلف.

وبذلك فهم يسجلون رفضهم القاطع لطريقة إعداد هذا القانون، إذ يعتبرون أنه “تم تمريره بصيغة لا تعكس نتائج الحوار مع وزارة العدل”، ويسجلون أن “مقترحاتهم لم يتم الأخذ بها رغم مشاركتهم في النقاش”، ولأجل ذلك يدعون إلى سحب المشروع وتعديله كليا.

هكذا يبدو أن التوتر الحاصل بين العدول والقطاع الحكومي الوصي بخصوص النص التشريعي المنظم للمهنة لم يكن على مستوى المقتضيات فقط، بل انطلق من منهجية إعداده بالأساس، قبل الخوض في موقع المهنة داخل منظومة العدالة وحدود استقلاليتها ومتطلبات الرقابة.

غياب الديباجة والتسمية “المختزلة”.. منطلق الجدل

يرتكز الخلاف الأساسي للعدول حول مشروع القانون (203 مادة) على انتقاد غياب الديباجة لأهمية وظيفتها الثانوية التوضيحية والتأطيرية للمقتضيات القانونية للنص، بالإضافة إلى أهميتها كمرجعية للبعد التاريخي للمهنة داخل منظومة التوثيق.

كما شكلت مسألة التسمية مدخلا أساسيا لعمق الخلاف حول مشروع القانون؛ إذ اعترض العدول على التخلي عن مصطلح مهنة “التوثيق العدلي” على غرار مهنة “المحاماة”، ويرون في الانتقال من “خطة العدالة” إلى “مهنة العدول” عدم تكريس للمساواة مع باقي المهن التوثيقية، وهو ما لا يعكس المكانة الحقيقية للمهنة داخل منظومة التوثيق.

واستأثرت هذه النقطة بحيز هام من المناقشة التفصيلية بلجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، إذ أثار عدد من النواب هذه الإشكالية وطالبوا في تعديلاتهم، التي رُفضت بالمجمل، بضرورة الحفاظ على التسمية “ذات الحمولة التاريخية والفقهية، لما لها من دلالات تتجاوز البعد الشكلي إلى البعد المؤسساتي”.

في المقابل، دافع وزير العدل عبد اللطيف وهبي، حينها عن الصيغة المقترحة، موضحا أن مستند تسمية عنوان مشروع القانون “راجع لطبيعة المهام التي يقوم بها العدول على مستوى تلقي شهادات الأطراف وتحريرها حسب رأي المجلس العلمي الأعلى، باعتباره الجهة صاحبة كلمة الفصل في هذا الشأن، والذي تشبت أثناء النقاشات التي فتحت معه بخصوص هذه الحيثية بكون العدل لا يكتب عقودا، ولا يحق له في ذلك، بل يوثق شهادات الأشخاص”.

وأشار الوزير إلى أن المعاملات التي يجريها العدول لاسيما بالنسبة للعقود الشخصية كالزواج والطلاق وغيرها لا تصبح عقودا إلا بخطاب القاضي المكلف بالتوثيق عليها وإعطائها صفة الرسمية، بعد التحقق من الشروط القانونية لإبرامها. وبحسبه، فمفهوم التوثيق “مرتبط بالعقد لا بالأشخاص”، ولأجل ذلك تم التمييز بين العدول والموثقين “الذين لا يخضعون للمراقبة القضائية”.

حق الإيداع

وفي الوقت الذي يتمتع فيه الموثقون بحق إيداع الأموال، يخلو مشروع قانون الحالي من مقتضى صريح يمنح العدول هذا الحق، وهو ما تعتبره الهيئة فراغا قانونيا يكرّس عدم التوازن داخل منظومة التوثيق.

وينتقد المهنيون حرمانهم من آليات الإيداع، وهي آلية أساسية لضمان الأمن التعاقدي وحماية حقوق المتعاقدين وصيانة المال العام، من خلال إحداث حساب مهني موحد ومركزي للعدول، تحت إشراف الهيئة الوطنية للعدول، مرتبط بصندوق الإيداع والتدبير، انسجاما مع مقتضيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة، التي دعت في المادة 52 إلى تحصين ودائع المرتفقين وتعزيز الشفافية والمراقبة.

ودافع العدول عن هذا الحق، مبرزين أنهم لا يطالبون من خلاله بالتوصل بأموال المرتفقين، بل بإرساء آلية قانونية تمكن من إيداع هذه الأموال بصندوق الودائع إلى حين استكمال إجراءات نقل الملكية، انسجاما مع مبدإ تعزيز الأمن التوثيقي والتعاقدي. وهو ما يطرح، بحسبهم، سؤال تكافؤ الفرص بين المتدخلين في مجال التوثيق، وانعكاس ذلك على حرية اختيار المرتفقين.

تشديد الرقابة والتفتيش والتأديب وسؤال الاستقلالية

ينص مشروع القانون المنظم للمهنة على أن العدول يمارسون مهامهم تحت مراقبة القاضي المكلف بالتوثيق الموجودة مكاتبهم بدائرة نفوذه، ويراقب هذا الأخير هذه المكاتب مرة في السنة على الأقل ويتولى التأكد من صحة الإجراءات المنجزة من طرفهم، وفحص المستندات ومدى تقيدهم بقواعد مزاولة المهنة. فيما يراقب المجلس الجهوي للعدول المختص العدول مرة في السنة على الأقل.

وعلى مستوى التفتيش، حسب المشروع، يقوم الوكيل العام للملك المختص أو من ينتدبه بإجراء تفتيش لمكاتب العدول مرة في السنة على الأقل. ويمكن للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف المختص توقيف العدل مؤقتا عن ممارسة مهامه لمدة لا تتجاوز 3 أشهر بإذن من وزير العدل، كلما تبين وجود إخلالات مهنية مع فتح متابعة تأديبية في حقه.

كما يمكن له، بنفس الكيفية، أن يوقف العدل مؤقتا عن ممارسة مهامه ولو قبل إجراء أي متابعة تأديبية أو زجرية، إذا تبين من أي مراقبة أو تفتيش وجود خطر يهدد أصول العقود والشهادات أو المحفوظات، أو في حالة اعتقاله بسبب يمس شرف المهنة أو الأخلاق أو المروءة.

أما بخصوص العقوبات التأديبية، تقول الوثيقة، فترتب حسب خطورة الإخلال المرتكب وذلك وفقا لـ: الإنذار، التوبيخ، الإيقاف عن ممارسة المهنة لمدة لا تتجاوز 6 أشهر، والعزل.

وفي هذا السياق، يعتبر المهنيون أن ترتيب العقوبات التأديبية، رغم تدرجها، يندرج ضمن تصور يغلب عليه “الطابع الزجري”، ولا يوازيه تعزيز كاف للضمانات المهنية.

وبالنسبة إليهم، فهذه الإجراءات تعد “غير مسبوقة” مقارنة بمهن أخرى، وهو ما يدفعهم إلى رفض هذه الصيغة التي تثير إشكال تداخل الاختصاصات وسؤال نطاق تدخل المجلس الجهوي باعتباره هيئة مهنية مستقلة لها هياكلها واختصاصاتها المحددة ضمن نظامها الداخلي.

وعلى هذا المستوى، أثير النقاش البرلماني حول “مدى معقولية” أن يخضع مكتب عدلي لتدخل أربعة أجهزة مختلفة سنويا، وهي قاضي التوثيق للمراقبة، والمجلس الجهوي للمراقبة، والوكيل العام للملك للتفتيش، والسلطة الحكومية المكلفة بالعدل التي يمكنها إيفاد لجان سنوية، واقترحت مقابل ذلك إسناد مهمة المراقبة بشكل رئيسي إلى الوزارة الوصية باعتبارها الجهة المشرفة على القطاع.

تقنين وتنظيم شهادة اللفيف

يقصد بشهادة اللفيف، بحسب القانون، شهادة جمع من الناس على وقائع أو حقوق لا ينص القانون على وجوب إثباتها بوسيلة خاصة، تؤدى أمام عدلين، ويشترط ألا يقل عددهم عن 12 شاهدا، بالغين سن الرشد وعلى علم تام بما يشهدون له.

غير أن عدم تنصيص المشروع على ما يفيد اشتماله على الذكور والإناث أيضا، دفع المهنيين إلى تسجيل ما اعتبروه “حرمانا” للنساء من أداء الشهادة في اللفيف رغم مساهمتهن في الممارسة العدلية.