عبد الوهاب الدكالي.. “مرسول الحب” الذي صنع مجد الأغنية المغربية
غيّب الموت، اليوم الجمعة 8 ماي 2026، الفنان المغربي عبد الوهاب الدكالي، أحد أبرز رواد الأغنية المغربية الحديثة، عن عمر ناهز 85 سنة، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من نصف قرن، ساهم خلالها في تطوير الأغنية المغربية مع الحفاظ على طابعها الأصيل، من خلال أعمال جمعت بين الزجل المغربي والموسيقى الكلاسيكية واللغة العربية الفصحى.
وُلد الدكالي يوم 2 يناير 1941 بمدينة فاس، خلال فترة الحماية الفرنسية، وسط أسرة محافظة كان واحدًا من بين ثلاثة عشر ابنًا فيها. ومنذ سنواته الأولى، أبدى اهتمامًا بالموسيقى والرسم والتمثيل، قبل أن يبدأ خطواته الفنية الأولى نهاية خمسينيات القرن الماضي.
وفي سنة 1958، تلقى تكوينًا في المسرح ضمن “فرقة المعمورة” تحت إشراف أساتذة فرنسيين، قبل أن ينتقل سنة 1959 إلى الرباط، حيث اشتغل لفترة قصيرة بالإذاعة والتلفزة المغربية، ثم توجه إلى الدار البيضاء، التي شكلت نقطة التحول الأساسية في مساره الفني.
وسجل الراحل أولى أغانيه سنة 1959 من خلال أغنية “مول الخال”، قبل أن يقدم أعمالًا أخرى مثل “يا الغادي في الطوموبيل”، التي ساهمت في بروزه داخل الساحة الفنية المغربية. وفي سنة 1962، قام بأول جولة فنية نحو المشرق العربي، حيث أقام لفترة طويلة بمدينة القاهرة، متأثرًا بالأجواء الموسيقية العربية الكلاسيكية.
ويُعد عبد الوهاب الدكالي من الفنانين الذين ساهموا في إرساء ملامح الأغنية المغربية العصرية، من خلال مزج المقامات الشرقية بالإيقاعات المغربية، مع الحفاظ على الخصوصية المحلية في الكلمة واللحن. كما عُرف بأسلوبه المتفرّد في التلحين والأداء، ما جعل أعماله تحظى بمكانة خاصة داخل الذاكرة الفنية المغربية والعربية.
وخلال مسيرته، قدّم الراحل عشرات الأغاني التي تحولت إلى علامات بارزة في الأغنية المغربية، من بينها “مرسول الحب”، و“ما أنا إلا بشر”، و“كان يا ما كان”، و“سوق البشرية”، و“مونبارناس”، و“كتعجبني”، و“أجي نتسالمو”، و“الولف صعيب”، و“قصة الغرام”، و“أنا والغربة”، و“الليل والنجوم”، إضافة إلى عدد من الأغاني الوطنية مثل “العهد”، و“حبيب الجماهير”، و“رحلة النصر”، و“حبيبي يا وطني”.
ولم يقتصر حضور الدكالي على الغناء والتلحين، بل خاض أيضًا تجربة التمثيل من خلال عدد من الأعمال السينمائية، من بينها فيلم “الحياة كفاح”، و“رمال من ذهب”، و“أين تخبئون الشمس؟”، و“الزر الأخضر”، و“أيام شهرزاد الجميلة”، و“خفايا”.
كما أصدر مؤلفًا بعنوان “شيء من حياتي… ثلاثية الحب والفن”، استعاد فيه محطات من مساره الفني والإنساني، وتجربته الطويلة مع الموسيقى والإبداع.
وحصد الراحل على امتداد مسيرته الفنية عددًا من الجوائز والأوسمة داخل المغرب وخارجه، من أبرزها الجائزة الكبرى لمهرجان الأغنية المغربية بالمحمدية سنة 1985، واختياره سنة 1991 شخصية العام العربي من طرف هيئة الإذاعة البريطانية، إضافة إلى الجائزة الكبرى لمهرجان المغرب الدولي بمراكش سنة 1993.
كما نال سنة 1996 لقب أفضل مبدع موسيقي من لجنة تحكيم مهرجان القاهرة الدولي للأغاني، وحصل سنة 2001 على لقب “عميد الأغنية المغربية”، قبل أن يتوج بعدة أوسمة دولية، بينها الجائزة الذهبية للفنون والحرف من وزير الثقافة الفرنسي سنة 2004، وميداليات تكريمية من الفاتيكان، إلى جانب وسام المكافأة الوطنية من درجة قائد سنة 2013.
وفارق الفنان المغربي الحياة يوم 8 ماي 2026، بعد تدهور حالته الصحية إثر خضوعه لعملية جراحية دقيقة، كان يرقد على إثرها بقسم الإنعاش، مخلفًا وراءه إرثًا فنيًا كبيرًا يُعد جزءًا من الذاكرة الموسيقية المغربية الحديثة.