“ترانسبرنسي المغرب”: المحروقات والصحافة و”الفراقشية” أبرز تجليات اقتصاد الريع في عهد حكومة أخنوش
قال نائب الكاتب العام للجمعية المغربية لمحاربة الرشوة “ترانسبرنسي المغرب”، أحمد البرنوصي، إن المغرب يعيش خلال ولاية حكومة عزيز أخنوش مرحلة تتسم بتراجع في المكتسبات الديمقراطية وتعمق أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات، في ظل ما اعتبره تفاقما لمظاهر الفساد السياسي والمالي وتراجعا في آليات محاربته.
وأوضح البرنوصي، خلال ندوة صحافية نظمتها الجمعية، اليوم الثلاثاء 23 يونيو 2026 حول اقتصاد الريع، أن عددا من الاختيارات التشريعية والمؤسساتية ساهمت، وفق تقديره، في إضعاف منظومة الحكامة والشفافية، مشيرا إلى ملفات اعتبرها تجسيدا لهذا الواقع، من بينها سوق المحروقات والدعم العمومي الموجه للصحافة والدعم المخصص لاستيراد اللحوم والمواشي أو ما يسمى بـ “الفراقشية”.
وأضاف المتحدث أن هذه الملفات تعكس، من وجهة نظر الجمعية، اختلالات بنيوية في تدبير المال العام وفي مراقبة المنافسة وتوزيع الدعم العمومي، داعيا إلى مراجعة السياسات العمومية المرتبطة بها وتعزيز آليات المراقبة والمحاسبة.
أرباح المحروقات الفاحشة
اعتبر البرنوصي أن استمرار الجدل حول أسعار المحروقات بالمغرب يرتبط بكونها تؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى تنافسية المقاولات، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وما يرافقه من انعكاسات اقتصادية واجتماعية.
وأشار إلى أن رفض الأغلبية الحكومية وبعض مكونات المعارضة لمقترحات تشريعية مرتبطة بتنظيم أسعار المحروقات ووضعية شركة “لاسامير” يطرح، بحسب الجمعية، تساؤلات حول الجهات التي تخدمها هذه الاختيارات السياسية والتشريعية.
وسجل المتحدث أن ارتفاع أسعار المحروقات يعود أساسا، وفق قراءة الجمعية، إلى قرار تحرير الأسعار وإلغاء الدعم، معتبرا أن المحددات الداخلية أصبحت أكثر تأثيرا من العوامل الدولية المتعلقة بالحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية، والاحتلال الإسرائيلي على إيران في تحديد الأثمان وهوامش الربح.
وأضاف أن ما تصفه الجمعية بـ”الأرباح الفاحشة” لشركات توزيع المحروقات تجاوز 80 مليار درهم مع نهاية سنة 2025، معتبرة أن هذا الرقم يعكس حجم الاختلالات التي رافقت تحرير الأسعار منذ سنوات.
وفي قراءته لمسار مجلس المنافسة، قال البرنوصي إن الإطار القانوني السابق منح المؤسسة صلاحيات تقريرية وزجرية واسعة في مجال مراقبة المنافسة، غير أن التعديلات التي أعقبت سنة 2020 غيرت، بحسبه، طريقة معالجة ملف المحروقات.
وأوضح أن المجلس انتقل من منطق إصدار القرارات والعقوبات إلى منطق تقديم المشورة، مشيرا إلى أن التسوية التي أبرمت مع تسع شركات للتوزيع سنة 2023 لم تتجاوز 1.84 مليار درهم رغم أن الأرباح المحققة، بحسب الجمعية، بلغت عشرات المليارات من الدراهم.
دعم الصحافة و إشكال الاستقلالية
انتقل البرنوصي إلى ملف الدعم العمومي للصحافة، معتبرا أن الإشكال لا يرتبط بمبدأ الدعم في حد ذاته، بل بطريقة تدبيره ومعاييره وآثاره على استقلالية المؤسسات الإعلامية.
وأوضح أن العديد من الديمقراطيات تعتمد أشكالا مختلفة من دعم الصحافة بهدف حماية التعددية الإعلامية ومساعدة المقاولات الصحافية على التطور، غير أن الوضع المغربي يثير، بحسبه، أسئلة تتعلق بطبيعة هذا الدعم ومآلاته.
وأشار إلى أن الدعم الذي أطلق في سياق استثنائي خلال جائحة كوفيد-19 استمر بعد انتهاء الظرفية التي أملته، ليتحول من إجراء مؤقت إلى آلية شبه دائمة لتحمل جزء من أعباء المقاولات الصحافية.
وأضاف أن المبالغ المخصصة لهذا الدعم شملت أداء الأجور والالتزامات الاجتماعية والضريبية والطباعة والتوزيع، ما جعل الدولة تتحمل جزءا أساسيا من تكاليف اشتغال مؤسسات إعلامية خاصة.
ويرى البرنوصي أن هذا الوضع يطرح إشكالا يتعلق بمدى استقلالية المقاولات الصحافية التي تستفيد من تمويل عمومي مستمر، خصوصا عندما تكون مطالبة في الوقت نفسه بمراقبة السياسات العمومية وانتقادها.
ودعا المتحدث إلى نشر لوائح مفصلة للمستفيدين من الدعم وقيمته وطبيعة أوجه صرفه، وإخضاعه لتدقيق مستقل، مع اعتماد معايير تضمن التعددية الإعلامية ودعم الصحافة الجهوية والمقاولات الصغيرة والمتوسطة بدل تكريس التركيز لفائدة فاعلين كبار.
“الفراقشية” والريع المنظم
وفي المحور الثالث من مداخلته، تناول البرنوصي ما وصفه بتحول مفهوم “الفراقشية” من ظاهرة مرتبطة تاريخيا بسرقة الماشية إلى توصيف سياسي وإعلامي يعكس، بحسبه، اختلالات مرتبطة بالاستفادة من الدعم العمومي.
وأوضح أن المصطلح أصبح يستعمل للإشارة إلى فاعلين اقتصاديين ووسطاء استفادوا من اعتمادات مالية وإعفاءات خصصت لدعم القدرة الشرائية ومساندة الفلاحين الصغار، دون أن ينعكس ذلك، وفق قوله، على الأسعار في الأسواق.
وأشار إلى أن الدعم الموجه لاستيراد اللحوم والمواشي لم يحقق الأهداف المعلنة منه، معتبرا أن المستفيد الأكبر منه كانوا كبار المستوردين والوسطاء الذين راكموا هوامش ربح مرتفعة.
وأضاف أن هذه الوضعية تمثل، من وجهة نظر الجمعية، شكلا من أشكال “الجريمة المالية المنظمة”، حيث تتحول الموارد العمومية المخصصة للفئات الهشة إلى مصدر للإثراء غير المشروع عبر ثغرات قانونية أو ممارسات إدارية تسمح بذلك.
كما اعتبر أن قطاع اللحوم والماشية يشهد تداخلا بين لوبيات الأعلاف والتربية والوساطة، بما يساهم في التحكم في العرض والأسعار، ويحد من فعالية المنافسة داخل السوق.
وسجل البرنوصي أن شبكات الوساطة والأسواق غير المهيكلة توفر، بحسب الجمعية، بيئة ملائمة لاستمرار هذه الممارسات، منتقدا رفض إحداث لجنة برلمانية لتقصي الحقائق بشأن الاستفادة من الدعم العمومي الموجه للقطاع، ومطالبا بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه دستوريا.