بالتزامن مع ضغوط أمريكية بشأن الثغور المحتلة.. فيفاس: سيادة سبتة “غير قابلة للنقاش”
قال رئيس حكومة سبتة المحتلة، خوان فيفاس، إن “سيادة سبتة غير قابلة للنقاش”، معتبراً أنه “لا يمكن تصور إسبانيا بدون سبتة، ولا أوروبا بدون سبتة”، وذلك خلال احتفالات “يوم أوروبا” التي نظمها الحزب الشعبي الإسباني بالمدينة المحتلة، بحضور زعيم الحزب ألبرتو نونييث فيخو وعدد من القيادات الأوروبية والإسبانية.
وتأتي هذه التصريحات في سياق سياسي وإقليمي حساس، يتزامن مع تنامي نقاشات مرتبطة بملف الثغور المحتلة في المغرب، على خلفية حراك أمريكي يطلب بإعادة سبتة ومليلية للسيادة المغربية، ما منح خطاب مسؤولي الحزب الشعبي الإسباني أبعاداً تتجاوز الطابع الاحتفالي ليحمل رسائل سياسية واضحة بشأن وضع سبتة المحتلة.
وكان آخر الخطوات الأمريكية في هذا الصدد، إقدام لجنة الاعتمادات في مجلس النواب على تبني صيغة غير مسبوقة تُشكك في السيادة الإسبانية على المدينتين المحتلتين، وتدعو إلى تسوية دبلوماسية بين الرباط ومدريد.
وخلال كلمته بساحة إفريقيا، شدد فيفاس على أن سبتة “إسبانية حتى النخاع”، مدعياً أن المدينة المحتلة “أوروبية بحكم انتمائها لإسبانيا”، وأن هذا الأمر “غير قابل للتنازل عنه”، وفق تعبيره.
وقال رئيس الحزب الشعبي الجهوي إن سكان سبتة “لا يرغبون في أن تتأثر مدينتهم بالجغرافيا السياسية”، لكنه أقر في المقابل بأن المدينة تتأثر بهذه المعطيات، معتبراً أن دور الحزب الشعبي يتمثل في “توضيح الأمور وتركها جلية”، عبر التأكيد على أن “سيادة سبتة ووحدتها الترابية مضمونة من قبل المؤسسات الأوروبية والدولة الإسبانية”.
كما دعا إلى عدم السماح بما وصفها بـ”التعليقات المجانية” المتعلقة بسيادة المدينة المحتلة بأن تتحول إلى “عامل يثير الاضطراب أو يولد انعدام الثقة”.
وفي استحضاره لأزمة ماي 2021 بين المغرب وإسبانيا، اعتبر فيفاس أن ما حدث حينها شكل “واحدة من أخطر الأزمات التي عاشتها هذه الأرض”، مضيفاً أن “وحدة سكان سبتة، وروح الدولة، ودعم المؤسسات الأوروبية، سمحت للمدينة بالبقاء صامدة وواثقة في مستقبلها”.
وتعود الإشارة إلى أزمة ماي 2021 إلى التوتر الدبلوماسي الحاد الذي اندلع بين المغرب وإسبانيا عقب استقبال مدريد لزعيم جبهة البوليساريو الانفصالية، إبراهيم غالي، للعلاج بهوية مزورة، وهو ما أثار حينها غضب الرباط وأدى إلى أزمة غير مسبوقة بين البلدين.
وفي 17 و18 ماي من السنة نفسها، شهدت مدينة سبتة المحتلة تدفق آلاف المهاجرين نحو المدينة في ظرف وجيز، ما دفع السلطات الإسبانية إلى نشر الجيش ورفع حالة الاستنفار. واستمرت تداعيات الأزمة أشهراً قبل أن تعود العلاقات إلى مسارها الطبيعي في مارس 2022، عقب إعلان إسبانيا دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية كحل للنزاع حول الصحراء.
وأشار فيفاس إلى أن سبتة تواجه “تحديات ومتطلبات لا مثيل لها”، معتبراً أن التعامل معها يستوجب “سياسة دولة وسياسة أوروبية”، تشمل مجالات التمويل والتنظيم الجمركي والربط والمواصلات.
وفي السياق نفسه، اعتبرت الأمينة العامة للحزب الشعبي في البرلمان الأوروبي، دولورث مونتسيرات، أن سبتة ومليلية المحتلتين “ليستا مستعمرتين ولا أراضي محتلة”، مضيفة: “لن نسمح بالتشكيك في سيادتنا”.
وقالت مونتسيرات إن اختيار سبتة للاحتفال بيوم أوروبا يحمل “إعلان نوايا والتزاماً بهذه الأرض”، معتبرة أن المدينة تمثل “المكان الذي تبدأ منه أوروبا”.
كما وصفت سبتة بأنها “أرض مختلطة الثقافات” وتشكل “مثالاً للاحترام والتعايش”، مؤكدة على أن الحزب الشعبي الأوروبي “ملتزم بالحفاظ على وحدة أوروبا”.
وفي أبريل الماضي، أشارت لجنة الاعتمادات في الكونغرس الأمريكي، بحسب وثيقة رسمية، إلى أن سبتة ومليلية المحتلتين “مدينتان تديرهما إسبانيا وتقعان ضمن التراب المغربي”، في سابقة هي الأولى من نوعها داخل مؤسسة تشريعية أمريكية، مع دعوة صريحة لوزير الخارجية ماركو روبيو لدعم جهود التوصل إلى حل بين المغرب وإسبانيا.
وجاء هذا الموقف بمبادرة من النائب الجمهوري ماريو دياز-بالارت، الذي سبق أن صرّح بأن المدينتين “ليستا في إسبانيا بل في المغرب”، معتبراً أن هذا الملف ينبغي أن يُناقش “بين الأصدقاء والحلفاء”، في إشارة إلى إمكانية فتح مسار تفاوضي بشأنه.
وكانت لجنة الاعتمادات، التي تتولى إعداد تقديرات المساعدات الخارجية وميزانية وزارة الخارجية، قد أدرجت الفقرات المتعلقة بالمغرب وإسبانيا في صفحات متقدمة من الوثيقة المذكورة، في انتظار عرضها على الجلسة العامة للمجلس للمصادقة النهائية، سواء مع تعديلات أو دونها.
كما تضمن النص إشادة بما وصفه بـ“التحالف التاريخي” بين الولايات المتحدة والمغرب، الذي يعود إلى سنة 1786 بموجب معاهدة الصداقة والسلام، مع الإشارة إلى استمرار هذا التعاون إلى اليوم، خاصة في المجالات الأمنية والعسكرية.
وفي هذا السياق، تحدثت الوثيقة عن تخصيص دعم مالي للمغرب، لا يقل عن 20 مليون دولار في إطار برنامج الاستثمار في الأمن الوطني لسنة 2027، إلى جانب مبلغ مماثل ضمن برنامج التمويل العسكري الخارجي، في مؤشر على متانة الشراكة بين الرباط وواشنطن.
وتبرز الصحيفة الإسبانية أن إدراج ملف سبتة ومليلية في هذه الوثيقة لم يكن معزولاً، بل جاء بدفع من النائب الجمهوري ماريو دياز-بالارت، الذي يشغل موقعاً مؤثراً داخل لجنة الاعتمادات، ويرأس أيضاً اللجنة الفرعية المكلفة بالأمن الوطني ووزارة الخارجية والبرامج المرتبطة بها.
ويُعد دياز-بالارت من الشخصيات النافذة داخل الكونغرس، كما تربطه علاقة وثيقة بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ما يمنح هذا الطرح وزناً سياسياً داخل دوائر القرار في واشنطن. ولفت التقرير في السياق ذاته إلى أن مواقف دياز-بالارت تنسجم مع توجهات عبرت عنها مقالات وتحليلات صادرة عن مراكز تفكير أمريكية محافظة تناولت بدورها وضع المدينتين في سياق الجغرافيا السياسية للمنطقة.