الفشل المجيد لإسرائيل
في الحالات المشابهة للاتفاق الأمريكي الإيراني المعلن هذا الأسبوع، أي عندما تشتبك السرديات وتتقاطع الروايات، لا أثق كثيرا في القراءة الواحدة، ولا في المصدر الواحد، ولا في الخلاصات الجاهزة التي تولد عادة قبل أن تجف دماء الوقائع.
أعمد، قدر الإمكان، إلى تجميع عناصر الصورة، سواء إخباريا ومن حيث الرأي والتحليل، من مصادر متنوعة، لكنها دقيقة وموثوقة. وفي هذه الحالة، لا يمكنني إلا أن أتوقف عند تحليل صحيفة “ذي إيكونوميست” البريطانية، التي استعرت منها عنوان هذه الافتتاحية، “الفشل المجيد”، والذي قصدت به المجلة تقدير الموقف الإسرائيلي بشكل خاص.
العنوان دقيق للغاية لأنه لا يزعم أن إسرائيل خسرت عسكريا، لأن هذا غير صحيح، فقد ضربت إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، إيران بقوة، وأصابت أجزاء حساسة من بنيتها العسكرية والأمنية والرمزية. لكنه يقول إنك قد تربح المعركة عسكريا، ثم تكتشف أن النهاية السياسية لا تخدمك، وهذا هو “الفشل المجيد”.
قد يتضارب الحديث عن الربح والخسارة كثيرا عندما نقارن بين حصيلتي الطرفين المباشرين للحرب، أي إيران والولايات المتحدة.
من جهة أولى يمكن القول إن إيران خسرت استراتيجيا منذ 28 فبراير 2026، إذا اتخذنا ذلك اليوم نقطة انطلاق. فقد تلقت طهران ضربة هائلة في قيادتها وبنيتها العسكرية وصورتها الردعية.
ويمكن، في الجهة المقابلة، القول إن إيران ربحت سياسيا في نهاية الجولة، لأنها لم تُكسر، ولم تُجبر على الاستسلام، ولم تُنتزع منها كل أوراقها، بل عادت إلى التفاوض بكامل أوراقها، لا جثة سياسية فوق طاولة المنتصرين.
ويمكن القول أيضا إن ترمب حقق بعض ما كان يريده، فقد أوقف الحرب، وخفف ضغط النفط، وفتح باب إعادة الملاحة في هرمز، وقدّم لجمهوره صورة رجل الصفقة الذي يطفئ الحرائق التي يشعلها، أو التي تُشعل حوله. لكنه في الوقت نفسه، قبل بسقوط شعاراته الأولى. فالرجل الذي أدمن لغة الإخضاع والحسم انتهى إلى مذكرة تفاهم من صفحة ونصف، وإلى مرحلة أولى ومرحلة ثانية، وإلى مفاوضات تقنية، وإلى ستين يوما قابلة للتمديد، وإلى كل تلك اللغة التي تعني، في السياسة، أن الحسم لم يقع.
الصورة مركبة إذن بين إيران وأمريكا، لكن الخسارة الاستراتيجية تبدو أوضح في حالة إسرائيل التي دخلت هذه الحرب، أو استدرجت واشنطن إليها، وهي تحمل هدفا أكبر من مجرد ضرب منشأة أو تعطيل مضيق أو إضعاف بضعة أذرع لإيران.
لقد كانت إسرائيل تريد إعادة تشكيل ميزان القوة في المنطقة. كانت تريد أن تثبت أن إيران لم تعد قادرة على حماية نفسها، ولا حماية حلفائها، ولا إدارة شبكة الردع التي صنعتها على مدى عقود. وحاولت، فوق ذلك، أن تستثمر اللحظة الأمريكية إلى أقصى حد، كي لا يبقى في النهاية برنامج نووي إيراني مقلق، ولا حزب الله قادر على تهديدها، ولا نظام إيراني يخرج من الحرب مدعيا أنه صمد. لكن ما الذي حدث في النهاية؟
ما حدث أن واشنطن، الحليف الأكبر، ذهبت مع طهران إلى حافة الجلوس، وبدأت في ترتيب مذكرة تفاهم لا يبدو أن إسرائيل تحكّمت في فصولها الأساسية. الملف النووي لم يُحسم، بل رُحّل. والصواريخ لم تختف. وحزب الله لم يخرج من المعادلة. ولبنان صار بندا في تفاهم أمريكي إيراني. وطهران تتحدث عن وقف الحرب على كل الجبهات، ورفع الحصار، وبيع النفط، واسترجاع أموال مجمدة…
صحيح أن نتانياهو يستطيع أن يخرج ليعلن “نصرا تاريخيا” على إيران. ويستطيع أن يقول لجمهوره إن إسرائيل منعت كارثة نووية، وأضعفت طهران، ووسعت مناطق أمنية في لبنان وسوريا وغزة… لكن السؤال ليس ماذا تقول إسرائيل عن نفسها، بل ماذا بقي لها بعد الاتفاق؟
ما بقي لها في الواقع هو أن تخشى من تحوّل وقف النار إلى قيد على يدها في لبنان. وأن ترى الخليج، الذي كان خائفا من إيران، يريد الآن التسوية لا الحرب الشاملة. وبقي لها أن تكتشف أن واشنطن، حين يصل النفط إلى مستويات خطرة، ويختنق هرمز، ويتعب السوق، تنتقل من لغة الحرب إلى لغة الصفقة، حتى لو لم تطابق الخيال الإسرائيلي.
هذا عن إسرائيل، أما إيران، فلا يجب تزيين وضعها أكثر مما يحتمل. لقد خسرت كثيرا. من يقرأ الحرب منذ 28 فبراير 2026 لا يستطيع أن يقول إن طهران خرجت أقوى مما كانت. لقد ضُربت عسكريا وأمنيا ورمزيا، وظهر اختراقها سافرا، وأن استراتيجية “الغموض والردع والصبر الطويل” لا تمنع حدوث الضربة الكبيرة.
لقد ظهر أيضا أن توسيع الرد الإيراني إلى الخليج كلّفها هي نفسها سياسيا، لأنه جعل دولا عربية كانت تفضل إدارة الخلاف معها، ترى فيها خطرا مباشرا على أمنها وموانئها ومطاراتها ومشاريعها.
لكن إيران ربحت شيئا آخر لا يقل أهمية، هو منع تحويل خسارتها إلى إذعان. طهران في النهاية لم توقع وثيقة استسلام، ولم تتخل عن كل ما طلب منها، ولم تُخرج من خريطة النفوذ في الإقليم، ولم تتحول إلى موضوع تفاوض بين الآخرين، بل بقيت طرفا أصيلا في التفاوض.
أما في الخليج، فيرتقب أن تغلب البراغماتية، ليس لأن دوله ستنسى ما وقع، ولا لأنها ستثق فجأة في طهران، بل لأنها لا تستطيع بناء مشاريعها الكبرى على حافة حرب دائمة.
السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، وعمان، كلها تعرف أن اقتصاد المستقبل لا يعيش تحت تهديد الصواريخ والمسيّرات وإغلاق المضائق. لذلك ستفتح القنوات، وسترحب بالتهدئة، وستدعم أي مسار يمنع عودة الحرب، لكنها ستفعل ذلك وهي تعيد حساباتها الأمنية من جديد.
المستقبل الخليجي لن يكون مع إيران سلاما دافئا بالضرورة. سيكون أقرب إلى تعايش حذر فوق أرضية ردع. وتفاوض دائم بلا ثقة. وتجارة حيث أمكن. واستعداد دائم لاحتمال أن تعود إيران إلى أوراقها القديمة إذا شعرت بأن الوضع لا يمنحها ما تريد.
وهنا نجد أنفسنا مضطرين للعودة إلى موضوع إسرائيل التي ستجد نفسها أمام خليج مختلف. فهو قد يستفيد من قوتها الأمنية والاستخباراتية والتكنولوجية، لكنه لن يمنحها شيكا مفتوحا لحرب جديدة. دول الخليج لا تريد أن تتحول إلى خلفية نارية لصراع إسرائيلي إيراني طويل. وتسعى إلى احتواء إيران لا تدمير المنطقة فوق رؤوس الجميع.
لكن ماذا عن المغرب في مرآة حرب ثلاثة أشهر ونصف؟
لقد كان موقفه، في تقديري، منسجما مع أسلوبه المعروف في إدارة الملفات المعقدة، أي الوضوح حيث يمكنه ذلك (أمن الخليج)، وحذر حين يتعلق الأمر بالحرب الكبرى.
لقد أدان المغرب الهجمات الإيرانية على دول الخليج بعبارات قوية، وعبّر عن تضامنه الكامل مع الدول العربية المستهدفة، واعتبر المساس بأمنها وسيادتها خطا لا يمكن المرور عليه. أثار هذا الموقف مخاوف كثيرة من تحوّل الرباط إلى دعم الموقف الإسرائيلي، لكنه في الواقع لم يحول دعمه لأمن الخليج إلى خطاب حرب ضد إيران، ولا إلى انخراط في السردية الإسرائيلية.
لقد بدا الاندفاع المغربي في إدانة إيران محسوبا حين ظهرت بوادر وقف إطلاق النار، حيث رحب بها، وبمجرّد ما ظهرت معالم مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، دعا إلى تفعيلها السريع واحترامها الكامل، وربط ذلك بتعزيز وقف النار، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتسوية القضايا المتبقية وفق القانون الدولي.
خلاصة الموقف المغربي في هذه الأزمة أننا مع أمن الخليج، ومع احترام سيادة الدول، ومع حرية الملاحة، ومع خفض التصعيد، لكننا ضد حرب مفتوحة لا نعرف كيف تنتهي.
وأهم ما في القصة أن الرباط لم تجعل إسرائيل مركز خطابها في هذه الأزمة، رغم علاقات المغرب الرسمية مع تل أبيب… وهذا أيضا من عناوين “الفشل المجيد” الذي حصدته إسرائيل.