story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

إسماعيل حمودي يكتب: جبروت الدولة الرقمية

ص ص

أثارت قناة “جبروت” جدلا واسعا في الوسطين السياسي والإعلامي، بعدما تحولت إلى فاعل رقمي مثير للانتباه وللتساؤل، يعتمد على نشر تسريبات ووثائق ومعطيات تستهدف، على نحو انتقائي لحد الآن، شخصيات سياسية وحزبية وأحيانا مسؤولين في الدولة.

وقد تسببت طبيعة المواد المنشورة، وما تحمله من اتهامات وإشارات إلى قضايا فساد أو تضارب مصالح أو امتلاك ثروات بطرق غير مشروعة، في خلق حالة من التوتر والترقب داخل المجال العمومي المغربي، خصوصا مع تزايد التفاعل الواسع مع منشورات الصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولم يعد النقاش مقتصرا على صحة الوثائق أو دقة المعطيات المنشورة، بل امتد إلى التساؤل حول الجهات التي تقف وراء “جبروت”، والأهداف السياسية، أو الاستراتيجية المحتملة التي تحكم طريقة اشتغالها وانتقاء أهدافها وتوقيت نشر تسريباتها.

وقد ساهم السلوك الانتقائي للصفحة إزاء بعض الملفات المنشورة في تعميق الجدل الإعلامي والسياسي، إذ يبدو واضحا أن الصفحة تركز بشكل كبير على شخصيات وفاعلين ينتمون إلى المجال السياسي والحزبي، في لحظة يقترب فيها المغرب من محطة انتخابية وسياسية مهمة. وهو ما دفع عددا من المتابعين إلى اعتبار أن الأمر لا يتعلق فقط بمبادرة “رقمية” لكشف الفساد، بل ربما نحن إزاء شكل جديد من أشكال الصراع السياسي والإعلامي داخل الفضاء السيبراني، حيث أصبحت المعطيات الرقمية والتسريبات أداة للتأثير في الرأي العام، وربما إعادة تشكيل موازين القوة والشرعية داخل الحقل السياسي.

كما أن التفاعل الكبير الذي تحققه الصفحة، خصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي مثل “فايسبوك”، يكشف في المقابل عن تحوّلات عميقة يعرفها المجتمع المغربي، أبرزها تنامي تأثير الفضاء الرقمي في تشكيل الوعي السياسي، وتراجع احتكار المؤسسات التقليدية للإعلام والمعلومة.

لقد ظهرت صفحة “جبروت” قبل أزيد من سنتين، كحساب رقمي ينشر معطيات متفرقة ذات طابع فضائحي أو احتجاجي، قبل أن تتطور تدريجيا نحو إنتاج محتوى أكثر تنظيما وتركيزا، يعتمد على وثائق وصور وبيانات شخصية أو مالية، مع توظيف خطاب يقوم على فضح “الفساد” و”اقتصاد الريع” و”تضارب المصالح”.

مع مرور الوقت، انتقلت القناة من مجرد نشر أخبار أو اتهامات عامة إلى تقديم ما يشبه تحقيقات رقمية، تستهدف شخصيات حزبية بعينها، من قبيل القيادي الاستقلالي حمدي ولد الرشيد، مع الحرص من جانب القناة على خلق تفاعل واسع حولها داخل شبكات التواصل الاجتماعي. وقد جعل هذا التطور القناة تتحول من مجرد ظاهرة رقمية عابرة إلى فاعل يثير اهتمام الإعلام والرأي العام، بل وحتى المؤسسات السياسية نفسها.

غير أن أهمية ظاهرة “جبروت” لا تكمن فقط في مضمون التسريبات التي تنشرها، وإنما أيضا في ما تكشفه من تحولات أعمق مرتبطة بطبيعة المجال الرقمي المغربي وحدود الأمن السيبراني داخله.

فبروز منصات قادرة على الوصول إلى معطيات ووثائق حساسة، وإعادة توظيفها في المجال العمومي، يطرح أسئلة جوهرية حول قدرة الدولة على حماية المعطيات الشخصية لمواطنيها، وبالتالي حدود السيادة الرقمية للدولة المغربية.

كما أن هذه الظاهرة تأتي في سياق دولي باتت فيه الحروب السيبرانية، والتأثير الرقمي، وتسريب البيانات، أدوات جديدة في الصراع السياسي والاستراتيجي بين الدول والجماعات والفاعلين غير الرسميين.

ويكتسي هذا النقاش أهمية أكبر في حالة المغرب، بالنظر إلى أن المملكة دخلت منذ سنوات في مسار متسارع للتحول الرقمي، انتقل من مجرد تحديث الإدارة ومحاربة الجريمة الإلكترونية، إلى بناء تصور استراتيجي شامل يهدف إلى تحقيق السيادة الرقمية بحلول سنة 2030، عبر تطوير البنيات التحتية الرقمية، وتوطين المعطيات الحساسة، وتعزيز الأمن السيبراني، والاستثمار في التكنولوجيا السحابية والذكاء الاصطناعي.

غير أن بروز فاعلين رقميين من قبيل “جبروت”، وما يرافق نشاطهم من تسريبات واختراقات وحروب معلوماتية، بقدر ما يشكل تحديا واختبارا لهذا المسار، فهو يعيد طرح سؤال مدى قدرة الدولة المغربية على حماية فضائها السيبراني وتأمين معطياتها الاستراتيجية، في عالم أصبحت فيه السيطرة على البيانات جزءا أساسيا من السيادة الوطنية.

في ضوء ذلك، تدفع ظاهرة “جبروت” إلى التساؤل حول حدود التحول الرقمي المغربي، وعن التحديات التي تواجه مشروع المملكة في بناء سيادة رقمية فعلية؟

فضح الفساد أم صراع نفوذ

أثارت صفحة “جبروت” منذ صعودها السريع داخل الفضاء الرقمي المغربي ردود فعل متباينة، تراوحت بين الترحيب بها باعتبارها منصة لكشف الفساد وفضح شبكات الريع، وبين التحذير من خطورتها بوصفها أداة للتشهير أو التوظيف السياسي والأمني داخل المجال السيبراني.

فقد رأى جزء من الرأي العام، خاصة داخل مواقع التواصل الاجتماعي، أن الصفحة تقوم بما عجزت عنه مؤسسات الرقابة والإعلام التقليدي، عبر كشف معطيات تتعلق بممتلكات مسؤولين وشخصيات سياسية، أو بعلاقات نفوذ وتضارب مصالح، معتبرين أن انتشار الصفحة يعكس أزمة ثقة متنامية في المؤسسات الوسيطة، وفي قدرة الأحزاب والإعلام والقنوات الرسمية على محاربة الفساد بشكل فعلي.

في المقابل، برزت مواقف أكثر تحفظا، ترى أن خطورة الصفحة لا تتعلق فقط بمحتوى التسريبات، بل بطبيعة المجال الذي تشتغل داخله، أي فضاء رقمي غير خاضع لأي مساءلة قانونية أو مهنية واضحة، حيث يصعب التحقق من مصادر المعطيات التي تنشرها، ومن طبيعة الجهات التي تقف وراءها، ومن الأهداف الحقيقية التي تؤطر عملية النشر.

لذلك، اعتبر بعض المتابعين أن “جبروت” تمثل شكلا جديدا من الحرب السيبرانية الناعمة، التي توظف المعطيات والتسريبات والتشهير الرقمي للتأثير في التوازنات السياسية وصناعة الرأي العام.

وقد زاد من قوة هذه الفرضيات طبيعة الشخصيات التي استهدفتها الصفحة، والتي تنتمي أساسا إلى الحقل الحزبي والسياسي والانتخابي. فقد ركزت الصفحة على شخصيات مرتبطة بأحزاب سياسية أو بمواقع تدبيرية منتخبة، إضافة إلى رجال أعمال ومسؤولين محليين، مع التركيز بشكل خاص على قضايا الثروة والصفقات والعقار والامتيازات.

وجعل هذا الاستهداف المتكرر البعض يربط نشاط الصفحة بالتحضير غير المباشر للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، أو بالسعي إلى إعادة ترتيب موازين القوة داخل المجال السياسي المغربي.

في هذا السياق، تردّدت تحليلات تعتبر أن الصفحة لا تتحرك بمنطق كشف الفساد بشكل شامل ومتوازن، بقدر ما تعتمد منطق الانتقائية في اختيار الملفات والأسماء المستهدفة. إذ يلاحظ أن التسريبات ركزت على فاعلين سياسيين وحزبيين محددين، في حين ظل الحديث محدودا أو غائبا حول مؤسسات وشبكات نفوذ أكبر حجما وأكثر تأثيرا في الاقتصاد والمال وفي القرار العمومي.

من هنا برز سؤال متداول بقوة داخل النقاش العمومي: لماذا تركز الصفحة على بعض السياسيين والأعيان المنتخبين، بينما تلتزم الصمت تجاه دوائر أكثر نفوذا وتأثيرا في القرار داخل الدولة وفي حقل الاقتصاد؟ وهل يعكس ذلك حدودا معينة مفروضة على الصفحة، أم أن الأمر يتعلق بانتقائية مقصودة تخدم أهدافا سياسية أو صراعات مصالح محددة؟

تزداد أهمية هذه الأسئلة إذا ما تمت مقارنة حالة “جبروت” بتجارب دولية وإقليمية مشابهة، حيث ظهرت خلال العقدين الأخيرين منصات رقمية أو مجموعات تسريبات لعبت أدوارا سياسية مؤثرة.

ففي الولايات المتحدة مثلا، كشفت تجربة “ويكيليكس” كيف يمكن للتسريبات الرقمية أن تتحول إلى أداة للتأثير في السياسة والدبلوماسية والرأي العام العالمي، خصوصا بعد نشر وثائق عسكرية ودبلوماسية أمريكية حساسة. كما أظهرت فضيحة شركة “كامبريدج أناليتيكا- فايسبوك” سنة 2018 كيف يمكن توظيف المعطيات الرقمية والتلاعب بها للتأثير في السلوك الانتخابي وصناعة التوجهات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي فرنسا، برزت ظاهرة “التسريبات الانتخابية” خلال انتخابات 2017، فيما عرف بقضية “ماكرون ليكس”، حيث جرى نشر وثائق ورسائل إلكترونية مرتبطة بحملة الرئيس إيمانويل ماكرون في محاولة لضرب سمعته وللتأثير على اللحظات الأخيرة من السباق الانتخابي.

أما في عدد من دول أمريكا اللاتينية، فقد تحولت التسريبات الرقمية أحيانا إلى جزء من الصراع بين مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي، حيث تستخدم الملفات والمعطيات كسلاح لإضعاف الخصوم أو لإعادة ترتيب التوازنات داخل الدولة.

وتكشف هذه المقارنات أن ظاهرة “جبروت” لا ينبغي فهمها فقط كصفحة أو قناة تنشر التسريبات، بل باعتبارها تعبيرا عن تحولات أعمق يعيشها المجال السياسي والإعلامي في العصر الرقمي.

فالمعطيات أصبحت موردا استراتيجيا، والفضاء السيبراني تحول إلى ساحة للصراع الرمزي والسياسي، حيث تتداخل حرية التعبير مع الحروب المعلوماتية، والتشهير الرقمي مع المنافسة السياسية، وكشف الفساد مع إعادة هندسة موازين النفوذ.

ومهما تكن الخلفيات الحقيقية لصفحة “جبروت”، فإن الظاهرة تكشف بوضوح عن انتقال الصراع السياسي في المغرب إلى المجال الرقمي، وتحول الفضاء السيبراني إلى ساحة جديدة لإعادة تشكيل الشرعية والتأثير والرأي العام. كما أنها تبرز هشاشة الثقة الرقمية داخل المجتمع، سواء في ما يتعلق بحماية المعطيات الشخصية، أو بقدرة المؤسسات على تأمين معلوماتها وبناء تواصل رقمي موثوق.

وتكتسب هذه المسألة خطورة أكبر بالنظر إلى أن المغرب يوجد اليوم في قلب مشروع استراتيجي يروم تحقيق السيادة الرقمية بحلول سنة 2030. فنجاح أي مشروع للسيادة الرقمية لا يقاس فقط بوضع القوانين وإنشاء المؤسسات، بل أيضا بقدرة الدولة على حماية المجال السيبراني من الاختراقات والتسريبات والتوظيف السياسي للمعطيات.

ومن ثم، فإن ظاهرة “جبروت” تبدو، في جانب منها، اختبارا فعليا لمدى صلابة المنظومة الرقمية المغربية، وقدرتها على التوفيق بين حرية التعبير والأمن السيبراني والثقة الرقمية داخل المجال العمومي.

اختبار حقيقي لمشروع التحول الرقمي

كما سبقت الإشارة، تبدو ظاهرة “جبروت” اختبارا فعليا لمشروع التحول الرقمي، علما أن هذا المشروع لم يعد مجرد مشروع تقني يهدف إلى تحديث الإدارة أو تحسين الخدمات العمومية، بل أصبح جزءا من تصور استراتيجي أشمل يرتبط بالأمن القومي، وبقدرة الدولة على التحكم في المعطيات والبنيات التحتية الرقمية، في عالم باتت فيه التكنولوجيا عنصرا مركزيا في موازين القوة الدولية.

فمنذ نهاية التسعينيات، أدرك المغرب أهمية الانخراط في الثورة الرقمية، في البداية بدافع مواجهة الجريمة الإلكترونية وتنظيم قطاع الاتصالات، قبل أن تتوسع المقاربة تدريجيا لتشمل الأبعاد الاقتصادية والتنموية، ثم لتصل في مرحلة ثالثة إلى هدف أكثر طموحا يتمثل في بناء السيادة الرقمية.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن المغرب راكم ثلاث استراتيجيات كبرى تعكس تطور الرؤية الرسمية تجاه مسار الرقمنة.

شكلت “استراتيجية المغرب الرقمي 2009-2013” المرحلة التأسيسية الأولى، عبر وضع البنيات القانونية والمؤسساتية الأساسية للتحول الرقمي، وإطلاق مشاريع الإدارة الإلكترونية ورقمنة الخدمات الإدارية.

ثم جاءت “استراتيجية المغرب الرقمي 2020” لتوسيع الطموح نحو جعل المغرب قطبا إقليميا للتحول الرقمي والاستثمار التكنولوجي.

أما “استراتيجية التحول الرقمي 2030″، فقد انتقلت بالمغرب إلى مستوى جديد من التفكير، يقوم على توطين التكنولوجيا والمعطيات الحساسة، وتطوير التكنولوجيا السحابية، وتعزيز الأمن السيبراني، بما يسمح ببناء سيادة رقمية وطنية.

غير أن هذا المسار لم يكن معزولا عن النقاشات والانتقادات المرتبطة بحدود التحول الرقمي المغربي. فعدد من التقارير الرسمية، خاصة تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أكدت أن المغرب، رغم ما راكمه من قوانين ومؤسسات واستراتيجيات، ما يزال يعاني من اختلالات بنيوية تعيق انتقاله إلى فاعل رقمي إقليمي فعلي.

وقد شملت هذه الاختلالات ضعف البنيات التحتية الرقمية، والتفاوت المجالي في الولوج إلى الخدمات الرقمية، وبطء رقمنة قطاعات حيوية كالتعليم والصحة، وضعف إنتاج محتوى رقمي وطني، إضافة إلى محدودية الشركات التكنولوجية المغربية القادرة على المنافسة.

كما برزت انتقادات أخرى تتعلق بطبيعة النموذج الرقمي نفسه، حيث يرى بعض الباحثين أن المغرب ركّز لفترة طويلة على “رقمنة الإدارة” أكثر من بناء استقلالية تكنولوجية حقيقية. فمعظم البنيات الرقمية والخوادم والتطبيقات الأساسية ما تزال مرتبطة بشركات ومنصات أجنبية، وهو ما يجعل السيادة الرقمية المغربية نسبية وهشة أمام الهيمنة التكنولوجية العالمية. وتزداد هذه الإشكالية تعقيدا مع تنامي الاعتماد على التكنولوجيا السحابية والذكاء الاصطناعي، اللذين يظلان إلى حد كبير تحت سيطرة الشركات الأمريكية والصينية الكبرى.

وفي هذا السياق، تبدو ظاهرة “جبروت” وما يشبهها من صفحات التسريبات والاختراقات الرقمية بمثابة اختبار فعلي لمدى صلابة المنظومة الرقمية المغربية. فالهجمات السيبرانية أو تسريب المعطيات لا تكشف فقط عن ثغرات تقنية، بل تطرح سؤال الثقة الرقمية، أي قدرة الدولة على حماية بياناتها ومؤسساتها ومواطنيها من الاختراق والتوظيف السياسي أو الاقتصادي. ولذلك، فإن الأمن السيبراني لم يعد مجرد مسألة تقنية مرتبطة بحماية الشبكات، بل أصبح جزءا من الأمن الاستراتيجي للدولة.

وقد دفع هذا الوعي المغرب إلى تطوير ترسانة قانونية ومؤسساتية مهمة، بدأت بقانون تنظيم البريد والاتصالات سنة 1998، ثم قوانين الجرائم الإلكترونية، وحماية المعطيات الشخصية، والتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، وصولا إلى قانون الأمن السيبراني لسنة 2020.

كما جرى إحداث مؤسسات متخصصة، مثل الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات، والهيئة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، والمديرية العامة لأمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني، إضافة إلى اللجنة الاستراتيجية للأمن السيبراني.

ويكشف هذا التطور المؤسساتي عن إدراك الدولة المغربية للطابع الاستراتيجي للفضاء الرقمي، حيث لم تعد الرقمنة ملفا تقنيا صرفا، بل مجالا تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية والأمنية والعسكرية والدبلوماسية.

لذلك، جرى إسناد القيادة الاستراتيجية للأمن السيبراني إلى مؤسسات مرتبطة بإدارة الدفاع الوطني، في مؤشر واضح على أن الدولة أصبحت تنظر إلى المجال الرقمي باعتباره امتدادا للأمن القومي والسيادة الوطنية.

وتتقاطع هذه التحولات مع تجارب دولية عديدة، إذ لم يعد الحديث عن السيادة الرقمية حكرا على الدول الكبرى. ففي أوروبا، برزت دعوات متزايدة لبناء استقلال رقمي أوروبي في مواجهة الهيمنة الأمريكية على البيانات والمنصات الرقمية، خاصة بعد فضائح التجسس الإلكتروني على الرؤساء والمسؤولين هناك، وتزايد تسريب المعطيات.

كما تعمل الصين على تطوير نموذج سيادة رقمية صارم يقوم على التحكم الوطني في المعطيات والبنيات التحتية الرقمية. أما روسيا، فقد ذهبت نحو بناء فضاء إنترنت أكثر استقلالية عن الشبكة العالمية، تحسبا لأي صراعات سيبرانية أو عقوبات دولية.

وفي حالة المغرب، يبدو أن الرهان أكبر من مجرد تحديث إداري أو تطوير خدمات إلكترونية، إذ يتعلق الأمر ببناء قدرة وطنية مستقلة نسبيا في مجال إنتاج التكنولوجيا وحماية المعطيات والتحكم في البنيات التحتية الرقمية. غير أن الوصول إلى هذا الهدف يظل رهينا بعدة شروط، من بينها تطوير البحث العلمي، وتشجيع المقاولات التكنولوجية المحلية، وتكوين الكفاءات، وتسريع رقمنة القطاعات الحيوية، والأهم بناء ثقة رقمية قوية داخل المجتمع والمؤسسات.

ومن ثم، فإن مسار المغرب نحو السيادة الرقمية لا يمكن فصله عن التحديات التي تفرضها ظواهر مثل “جبروت”، أو عن التحولات الكبرى التي يعرفها العالم في مجال الحروب السيبرانية والصراع على المعطيات. فكل تقدم في مجال الرقمنة يفتح في المقابل مجالات جديدة للهشاشة والاختراق، وهو ما يجعل بناء السيادة الرقمية رهانا استراتيجيا معقدا، يتجاوز التكنولوجيا ليشمل السياسة والأمن والثقافة والاقتصاد في آن واحد.

تحديات مركّبة

يواجه هذا الطموح عدة تحديات بنيوية، إذ تشير التقارير الرسمية إلى أن اعتماد الفاعلين المغاربة على التكنولوجيا السحابية ما يزال ضعيفا مقارنة بالمستويات الدولية، سواء بسبب محدودية الاستثمار، أو ضعف الثقة الرقمية، أو نقص الكفاءات والخبرات التقنية.

كما أن جزءا مهما من البنية الرقمية المغربية ما يزال مرتبطا بخدمات ومنصات أجنبية، وهو ما يجعل مسألة السيادة الرقمية نسبية إلى حد بعيد. فالدولة التي تعتمد على خوادم أجنبية أو على تطبيقات تتحكم فيها شركات عالمية، تظل عرضة لاختراق معطياتها أو التأثير في قرارها الرقمي.

وعموما، تعيد ظاهرة “جبروت” طرح أسئلة عميقة حول مدى صلابة الأمن السيبراني المغربي. فبغض النظر عن طبيعة الجهات التي تقف خلف هذه الصفحة، فإن مجرد القدرة على الوصول إلى معطيات ووثائق حساسة وإعادة توظيفها داخل المجال العمومي، مهما كان المستهدفون بها أو الأهداف الثاوية وراءها، يكشف أن معركة السيادة الرقمية ليست مجرد مسألة قوانين واستراتيجيات، بل تتعلق أساسا ببناء قدرة فعلية على حماية البيانات وتأمين المجال السيبراني الوطني. ولذلك، فإن أخطر ما في “جبروت” ليس فقط مضمون التسريبات، وإنما ما تعكسه من هشاشة في منظومة الثقة الرقمية، سواء داخل المؤسسات أو لدى الرأي العام.

يوجد المغرب اليوم أمام تحد مزدوج: فمن جهة، ضرورة تسريع التحول الرقمي والانخراط في الثورة التكنولوجية العالمية، ومن جهة ثانية، حماية سيادته الرقمية في مواجهة الاختراقات والحروب السيبرانية والتبعية التكنولوجية. ولذلك، فإن الوصول إلى سيادة رقمية فعلية لن يتحقق فقط عبر إطلاق الاستراتيجيات أو سن القوانين، بل عبر بناء منظومة وطنية قادرة على إنتاج التكنولوجيا وتأمين المعطيات وتطوير الكفاءات وتعزيز الثقة الرقمية.

وإذا كانت بلادنا قد حققت تقدما مهما في بناء الأسس القانونية والمؤسساتية للتحول الرقمي، لكنها ما تزال في بداية معركة أكثر تعقيدا تتعلق بالسيادة على البيانات والتكنولوجيا والفضاء السيبراني. وفي هذا السياق، تبدو ظواهر مثل “جبروت” أو الهجمات السيبرانية أو التسريبات الرقمية مجرد مؤشرات أولية على طبيعة الصراعات المقبلة، حيث لن تكون المعارك الأساسية حول الأرض أو الموارد فقط، بل أيضا حول المعلومات والمعطيات والخوارزميات والقدرة على التحكم في المجال الرقمي خلال القرن الحادي والعشرين.